موقف الرسول الكريم الرحيم صلى الله عليه وسلم بما فعل الأنبياء الكرام عليهم السلام مع أقوامهم حين جأروا لله بالدعاء أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق، وانتصر لهم ربهم سبحانه فقال: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [6] .
يأخذ العجب الفاروق عمر بن الخطاب من فعل رسول الله حين لم يدعو عليهم كما فعل نوح بقومه، رغم رديء أعمالهم معه صلى الله عليه وسلم، ولو دعا عليهم لهلكوا لا محالة.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
)بأبي أنت وأمي يارسول الله لقد دعا نوحٍ على قومه فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [7] ، ولو دعوتَ بمثلها لهلكنا من عند آخرنا، ولقد وُطِّيء ظهرُك، وأُدمِّى وجهُك! فأبيت أن تقول إلا خيرًا، فقلت:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون" [8] . http://www.alukah.net/Spotlight/0/46155/ - _ftn 8
إن قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الطائف وأهلها لم تتم فصولًا وبالتالى لم تنتهِ عند هذا المشهد فبعد أن زحف المسلمون على الطائف في السنة الثامنة للهجرة، وحاصروها فأطالوا حصارها؛ واستعصى عليهم حصنها الحصين الَّذِي قُتِل فيه كثيرٌ منهم؛ فهَمّ الرسول أن يرجع عنهم، لكن أصحابه أبوا إلَّا الفتح، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو علَى أهل الطائف؛ فرفع يديه إلَى السماء يدعو فقال":اللهمّ اهْد أهل الطائف، اللهمّ ألِن قلوبهم للإسلام ومَكّنه فيها".
ثم إن عبد ياليل الذي جابه الرسولَ صلى الله عليه وسلم هو وعشيرته بالمكروه وآذَوه أذًى شديدًا، لما نزل مع قومه علَى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد ذلك، أنزله صلى الله عليه وسلم في مسجده، وضرب له قبّة فيه، وجعل يزوره بعد كل عشاء، ويقصّ عليه ما كان يلقَى وهو في مكة من عَناء وجهد، وهو الَّذِي استقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف بالأذَى، ورجمه بالحجارة، وسامه الخَسف .. فشتان بين استقبال واستقبال .. كما هو شتان بين عبد ياليل ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.