فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 147

انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعًا إلى مكة، حتى إذا قام بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به نفر من الجن فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته صلى الله عليه وسلم ولّوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا.

عندما وصل صلى الله عليه وسلم إلى"قرن المنازل"بعث الله تعالى إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال الذي يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.

تروى كتب السنة القصة ومنها البخاري بسنده عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال:"لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كُلاَل، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب - وهو المسمى بقرن المنازل - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليه الأخشبين - أي لفعلت، والأخشبان: هما جبلا مكة: أبو قُبَيْس والذى يقابله، وهو قُعَيْقِعَان - قال النبى صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا" [2] ."

نعم .. إن رحمته صلى الله عليه وسلم تمثل معجزة، ولكن الدكتور إبراهيم على السيد [3] "يراها أعظم من المعجزة حيث يقول: (إن المعجزة الأعظم من إطباق الأخشبين أن يقف الرسول صلى الله عليه وسلم لايقبل العرض؛ ولما تزل الدماء تنزف من قدميه، ولا يصدر الأمر لملك الجبال، ولاتزال كلمات بني ياليل يرن صداها في أعماقه الجريحة [أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟] .. إلى آخر ما قالوا، أن يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئا، اللهم اهد ثقيفا وأت بهم". وهذا الموقف موافق لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [4] ، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين} [5] ."

لن يبدو وجه المعجزة جليًا في هذا الموقف إلا عندما نعلم أن جبال مكة كانت تنتظر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان كل هؤلاء المكذبين له صلى الله عليه وسلم أمامه كالنمل المتسلق جذوع الأشجار وقد جعل الله مصيرهم ومصير أولادهم رهن إشارة من رسوله صلى الله عليه وسلم، كما لن يبدو وجه الإعجاز إلا حين نقارن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت