وإذا كان الناس حين يمدحون إنسانًا بحسن الخلق، ونبل الصفات، وجمال الخلق، فإنهم يمدحونه لأنهم عرفوا الصفات وقيموها ببشريتهم، وتقييم البشر للأشياء خاضع لعلمهم بهذه الأشياء، فإن الحق حين يقيم الخَلق على أرفع مستوى خلقه في الإنسان، فيقول: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [19] فحين يقول الحق سبحانه وتعالى ذلك الخطاب لرسوله، فليس هنا الخلق المتواضع عليه عند البشر، لكن الخلق المطلوب لله، ورسول الله اجتاز هذه المنزلة فكان صاحب الخلق العظيم بتقييم الله العظيم [20] . {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} شهادة إلهية بعظمة خلق المصطفى عليه الصلاة والسلام، تتوج ما كان معروفًا من مكارم أخلاقه، ويمنحه القوة على مواجهة المكذبين الطاغين [21] . أو كما قال القرطبي في تفسيره للآية: (ولم يذكر خلق محمود إلا وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر) ، وقال الجنيد: (سمي خلقه عظيمًا لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى) ، وقيل: (سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه) .
إن أعظم ما يشهد لخلق الرسول صلى الله عليه وسلم هو ثقة أهل مكة فيه؛ فلعدم استرابتهم في خُلقه كرجلٍ عاش بينهم صبيًا حتى بلغ مطالع الرجال وعلى الرغم من مجابهتهم بدعوته ومبارزتهم لب عقيدتهم وهو يرجها رجًا، لم يطالبوه بودائعهم والأمانات المودعة عنده، وهذه ولاشك أخوف مايخاف عليه ممن خرج على اعتقادهم، وعلى هذا فلم يفعلوا، لأن مرجعيته الأخلاقية عندهم أقوى من اعتقادهم فيما يعتقدونه، يقول الشيخ عطية صقر [22] : (ولقد اشتهر بين قومه بعلو الهمة والبعد عن الدنايا حتى أُطْلِقَ عليه الصادق الأمين, وارتضوه حكمًا في رفع الحجر الأسود إلى مكانه، وأمينًا على ودائعهم حتى بعد أن واجههم بدعوته التي تناهض عقائدهم وسلوكهم، فإنهم يعلمون أن خُلقه من ذاته، وكماله طبعٌ فيه) .
بلغ الإنجليزي اللورد هيدلي [23] مرفأ الإسلام بعد أربعين عامًا من التفكير والابتهال إلى الله تعالى حتى هداه إلى هذا الدين الذي لا يعرف الشرك إلى عقيدته طريقًا بل إلهًا واحدًا نعبده ونتقيه، ثم درس شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره المثل الكامل، فيقول عنه: (نحن نعتبر أن نبي بلاد العرب الكريم ذو أخلاق متينة، وشخصية حقيقية وُزِنَتْ واختُبِرَتْ في كل خطوة من خطى حياته، ولم نرَ فيه نقصًا على الإطلاق، وبما أننا نحتاج إلى نموذج كامل يفي بحاجاتنا في خطوات الحياة، فحياة النبي المقدس تسد تلك الحاجة؛ فهي كمرآة تعكس علينا التعقل