فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 147

لعل ما قاله المستشرق الإنجليزي يورسورث سميث (1815 - 1892) [13] يُعد فهمًا حقيقيًا للمعجزات التي أتاها اللهُ محمدًا، فقد اعترف سميث بأن لمحمدٍ معجزات غير القرآن، وعنده يكمن ما هو أعظم من المعجزة هو صدقه صلى الله عليه وسلم: (أن المعجزة الخالدة التي أداها محمد هي القرآن والحقيقة إنها كذلك ... وإن أعظم ما هو معجزة في محمد نبي الإسلام أنه لم يّدع القدرة على الإتيان بالمعجزات وما قال شيئًا إلا فعله وشاهد منه في الحال أتباعه، ولم ينسب إليه الصحابة معجزات لم يأتها أو أنكروا مبدأ صدورها منه) ، فأي برهان أقطع من ذلك؟

تنفرد دلائل النبوة في الإسلام بمبحث في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه؛ إذ لم يسبق أن كان الكمال الأخلاقي دليلًا على النبوة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم [14] ، ذلك أن تكامل الأخلاق أمر معجز، لأن الناس يطلبونه فلا يجدونه فهو معوز لهم [15] يرى الشيخ محمد الخضر حسين [16] أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان راجح العقل، غزير العلم، عظيم الخلق شديد الإخلاص، صادق العزم، جليل العمل رائع البيان، وأن من يبتغي عظمة رجل فليبحث عنها في ناحية عقله، وعلمه، وخلقه، وإخلاصه، وعزمه، وعمله، وحسن بيانه إلى أن يقول عن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم أنها: (عَظَمَةٌ انتظمت من هذه المعاني العالية؛ وكل درة في عقد حياة محمد صلى الله عليه وسلم معجزة) .

كما يقول أيضًا [17] : (إن الباحث في السيرة على بصيرة ليجد في كل حلقة من سلسلة حياته معجزة، ولو استطعت - ولا أخالك تستطيع - أن تضعها في كِفة، ثم تعمد إلى سيرة أعظم رجل تحدث عنه التاريخ، فتضعها في الكِفة الأخرى، لعرفتَ الفرق بين من وقف في كماله عند حد هو أقصى ما يبلغه الناس بذكائهم وحزمهم، وبين من تجاوز ذلك الحد بمواهبه الفطرية، وبما خصه الله به من معارف غيبية، وحكم قدسية) .

شاء الله أن يتجلى على الإنسانية بإحدى معجزاته وأن يتفضل عليها برحمته وبركاته فنزل وحيه على أمى من أهل هذه الصحراء كان الله قد تعهده منذ مولده ورعاه، فلم يتورط هذا طول حياته في حمق الجاهلية ولم يتدنس في حمأة الوثنية .. فكأن الله قد ادخره لأعظم وأجل وأسمى مهمة اضطلع بها منذ بدء الخليقة انسان [18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت