ويؤكد أحمد بهجت [10] :
(أن معجزته الأولى صلى الله عليه وسلم هي شخصيته وأفكاره .. صارت معجزته الكبرى بعد القرآن .. هي هذا البناء الروحي الشامخ الذي احتمل في الله ما احتمل، وقاسى في الحق ما قاسى، وأدى أمانته بكمال لا يطاول (.
ومنهم من يرى أن سيرته العطرة وصحائفه الناصعة صلى الله عليه وسلم لخير دليل على صدق دعوته وثبوت نبوته، بما لا يحتاج معه لمعجزة فيقول ابن حزم [11] : (فإن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم لِمَن تدبرَهَا تقتضي تصديقَه ضرورةً، وتشهد له بأنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حقًا فلو لم تكن له معجزة ٌ سوى سيرته صلى الله عليه وسلم لكفى) .
كما أن ابن حزم هو القائل: (من أراد خير الآخرة، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وليستعمل أخلاقه وسِيِره ما أمكنه) .
ومع أن الشيخ على الطنطاوي يذهب نفس مذهب من يرى أن سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم تكفي وحدها لتكون معجزته، لكنه آثر أن يدلل على ما يقول ففصل المجمل [12] :
(كانت سيرة حياته صلى الله عليه وسلم كلها معجزة، عجز عظماء العالم جميعًا عن أن يتركوا لهم سيرةُ مثلها ... في كل ناحية منه عزة وعظمة، في قوة جسده، وتكوينه الرياضي. في روحه الرياضية، لا يستخفه النصر حتى يبطره، ولا تزلزله الهزيمة حتى تثير غضبه، أو تذهب بعزمه، في ثباته في المعامع الحُمر حتى كان أبطاله الصحابة يحتمون به، وفى شجاعته التي تَضعْضَعَ أمامها صناديد الرجال، وفى تواضعه للمسكين والفقير، ووقوفه للأرملة والعجوز، في إقراره الحق، في صدق التبليغ عن الله، حتى أنه بلغ الآيات التي نزلت في تخطئته وفى عتابه، في احترامه العهود وحفاظًا على كلمته، مهما كلفه الحفاظ عليها من مشقة ونصب، سواء عنده في ذلك معاملاته الشخصية وشؤون الدولة، وفى ذوقه وحسه المرهف، وأنه هو الذي سن آداب الطعام، وقرر قواعد النظافة في وضعه مع أصحابه إذ يعلمهم ويعمل معهم، ويعيش مثلما يعيشون، ويستشيرهم ويسمع منهم، ويجلس حيث يجد المكان الفارغ في آخر المجلس حتى كأن القادم عليه ليراه، ينظر في وجوه القوم فيقول أيكم محمدًا؟) .