ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه).
نعم إنه الصدق وهو ماتنبه له بعقله الأديب البريطانى ه. ج. ويلز: (إن من أرفعِ الأدلةِ على صدقِ محمدٍ كونَ أهلِه وأقربِ الناسِ إليه يؤمنون به. فقد كانوا مطَّلعينَ على أسرارِه، ولو شكّوا في صدقِه لما آمنوا به. (
يجد بلاشير معجزة محمد في صدقه أيضًا حين كان أسلوبه الخاص في أحاديثه النبوية مفارقًا تمامًا لإعجاز القرآن حتى صار هذا إعجازه صلى الله عليه وسلم حيث يقول [7] : (الإعجاز هو المعجزة المصدقة لدعوة محمد الذي لم يرتفع في أحاديثه الدنيوية إلى مستوى الجلال القرآني) .
ليس هناك ما ينفي اقتران الإعجاز بالبشرية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الدكتور منصور رحماني [8] ، إذ يقول:
(وأما الإعجاز في حياته صلى الله عليه وسلم فنعني به أنه حقق بجانبه البشري في وقت وجيز ما عجز عنه غيره من البشر سواء كانوا أنبياء أو قادة أو زعماء، وهذا يشير بوضوح إلى تفضله على غيره، وأنه الأولى بالتقليد والاتباع، وهذا الجانب لا نستدل به على صدقه بقدر ما نستدل به على عظمته، وهذه العظمة تقود فئات من الناس إلى اتباعه في كل أقواله مطمئنين إلى أنه أفضل قدوة، وأفضل من يتبع، فأقواله هي أصح وأصدق الأقوال، وأفعاله وأحكامه هي أعدل الأحكام، وتشريعه أفضل تشريع، ودينه أفضل الأديان) .
يقول الدكتور سعد الدين السيد صالح [9] معلقًا ومؤكدًا وشارحًا: (كانت أخلاق محمد ضربًا من خوارق العادات. إذ كيف يخرج على أخلاق قومه وعاداتهم وتقاليدهم؟ فلم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرًا قط، ولم يكذب أبدًا وهو الذي نشأ في بيئة انطبعت بهذه الصفات، إذًا فأخلاقه كانت ضربًا من الخوارق. إذ المعهود أن تأتي أخلاق الفرد وصفاته صورة لبيئته أو كما قالوا إن الإنسان هو ابن بيئته، فكون أخلاق الرسول تأتي مناقضة لأخلاق بيئته، هو أمرٌ خارق للعادة. (