والرجحان .. هذا صحيح لاريب فيه .. وهنا أيضًا قد تمت لمحمد معجزته التي لم يضارعه فيها أحد من ذوي الصداقات النادرة. فأحدقت به نخبة من ذوي الأقدار تجمع بين عظمة الحسب وعظمة الثروة وعظمة الهمة، وكل منهم ذو شأن في عظمته تقوم عليه دولة وتنهض به أمة .... تلك هى بلا ريب عظمة العظمات، ومعجزة الإعجاز في باب الصداقات، وما استحقها محمد إلا بنفس غنيت بالحب وخلصت له حتى أعطت كل محبٍ لها كفاء ما يعطيها؛ مودة بمودة وصفاء بصفاء، وعليها المزيد من فضل التفاوت في الأقدار .. ولقد كان صاحب الفضل على أصفيائه جميعًا بما هداهم إليه من نور العقل ونور البصيرة، وهما أشرف من نور البصر لأنه نعمة يشترك فيها الإنسان والعجماوات، ونور العقل ونور البصيرة نعمتان يختص بهما الإنسان).
أما وقد استغرقتنا هذه المعجزات في ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، بات من البين الجلي أن الذات التي أنبثقت منها وركبت فيها كل تلك المعجزات أن تكون معجزة في ذاتها، يقول خالد محمد خالد [14] معترضًا على إلحاح المشركين في مطالبته صلى الله عليه وسلم بأن يأتيهم بالخوارق والمعجزات: (لقد جهل المشركون أن الله جل جلاله لايُمتحَن، و لاتناله اختبارات الناس و تفسيراتهم .. ومن ثم فهم باطلون ومبطلون حين يتطاولون بالقول، فيسألونه سبحانه: أن يريه مقدرته من خلال"محمد"صلى الله عليه وسلم من خلال قدرته و توثيقه و تأييده لهذه النبوة ولصاحبها .. !! لم يستطيعوا أن يرتفعوا بتفكيرهم إلى المستوى الذى عنده يدركون أن معجزة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي محمدٌ ذاته .. وأن أروع آياته و معجزاته، ماثل في أن الله جعله هُدىً ونورًا) .
وجمع د. عبد المعطى الدالاتي للرسول صلى الله عليه وسلم بعض ماسبق ليجعله معجزة [15] : (لقد كان القرآن معجزة الإسلام الأولى، وكان الرسول بذاته وأخلاقه وسيرته وانتشار دعوته معجزة الإسلام الثانية وحق للذات التي تجمعت فيها نهايات الفضيلة الإنسانية العليا أن تكون معجزة الإنسانية الخالدة) .
كم ماتت رسالات بموت رسلها وأنبيائها، بل كم ماتت أفكار ونظريات سريعًا بموت أصحابها وتفرق بعدها من آمنوا بها ودافعوا عنها ونافحوا، ومات رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كما يموت البشر بأمر رب البشر سبحانه وتعالى ومع هذا فمازالت رسالته باقية خالدة وستبقى ويزداد عدد المؤمنين بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورسالته لتشهد بصدق الإعجاز الخالد للرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول ر. ف. برادلي: (وفى الواقع إنها لمعجزة أن ما جاء به محمد لم يمت بموته، إن هذا لشاهد آخر على شخصية الرجل، وعلى قوة الدين الذى أسسه) .