فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 147

فمزاحه صلى الله عليه وسلم من تواضعه، نعم .. إنه تواضع ولكنها رحمة على جناح بسمة هدهدت الخائف وأمَّنَتْ المُروّع، كان صلى الله عليه وسلم مبعوث الرحمة والعناية الإلهية لكافة البشر برسالة سامية جادة، يكسو البهاء والمهابة والجمال الوقور وجهه وشخصه ومشيته وجلسته صلى الله عليه وسلم فقد جاء مَن دخل عليه فارتعد، فقال صلى الله عليه وسلم له:"هون عليك، فلستُ بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة" [10] .

إن أغرب مانستطيع أن نتخيله معجزة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو"الفقر"وهذا عين مايراه مصطفى صادق الرافعى حين يقول [11] : (إنَّ فقرَّهُ صلى الله عليه وسلم كان من أنَّه يتَّسعُ في الكون لا في المال، فهو فقرٌ يُعَدُ من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحدُ إلى الآن، وهو خاصٌ به ومن أين تدبرته رأيته في حقيقته معجزة تواضعت وغيرت اسمها؛ معجزةٌ فيها الحقائق النفسية والإجتماعية الكبرى، وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرنًا، وهي اليوم تثبتُ بالبرهان معنى قوله صلى الله عليه وسلم في صفةِ نفسهِ: ''إنما أنا رحمةٌ مهداة''.

أن ما قاله الرافعى ليس من قبيل الكلمات الفخمة الرنانة التى لايُؤيدُها سند من واقع أو فكر، فالرجل يُجَلْى ما ذهب إليه فهو يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم تنزه عن التعلق بالمال لأنه نبى الإنسانية ومثلها الأعلى وأنه لم يكن يفتقر إلى إمتلاك المال بل امتلكه وجاد به لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان ليترك المال عنده يتناسل ويتكاثر ولهذا ختم كلامه بقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (كانت حياته بعد الرسالة منصرفة إلى إقرار التوازن في الإنسانية، وتعليم الجميع على تفاوتهم واختلاف مراتبهم، كيف يكون لهم عقل واحد من الكون؛ وبهذا العقل الكونى السليم ترى المؤمن إذا عرض له الشئ من الدنيا يفتنه أو يصرفه عن واجبه الإنسانى أبت نفسُهُ العظيمة إلا أن ترتفع بطبيعتها، فإذا هو في قانون السمو، وإذا المادة في قانون الثقل؛ فيرتفع وتتهاوى ويصبح الذهب وإنه ذهب - وليس فيه عند المؤمن إلا روح التراب) [12] .

أن فقر الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو الغريب المضاف إلى معجزاته صلى الله عليه وسلم، ولكن"حب الصداقة"وهي معجزة لم يكن ليتطرق إليها الفكر، يقول العقاد [13] : (هي المحبة التي جعلت كثيرًا من الناس يؤمنون بمحمد لمحبتهم إياه واطمئنانهم إليه، فكانت سابقة في قلوبهم وأرواحهم لحب العقيدة والإيمان، إن عطف العظيم على الصغير حتى يستحق منه هذا الحب لفضيلة يشرف بها المقام العظيم في نظر بني الإنسان. ولكن قد يقال إن استحقاق العظيم أن يحبه العظماء لأشرف من ذلك رتبة وأدل على حظه الجليل من فضائل التفوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت