فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 147

أخرج الترمذي في المناقب [6] ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ جزء رضي الله عنه، قال: (ما رأيتُ أحدًا أكثرَ تبسُّمًا من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم) .

وكان الصحابة من حوله صلى الله عليه وسلم يعلمون أنه الرسول الحق من الله الحق فقوله حق وصمته حق ومزاحه صلى الله عليه وسلم كذلك حق، فهو المعصوم الذي لاينطق عن الهوى، فحفظوا له قدره، وعَظَّموُه في قلوبهم، وقدَّموه على أنفسهم، وافتدوه بأرواحهم، ليس أَحب منه على وجه البسيطة أحد، وليس أعظم منه صلى الله عليه وسلم منذ أن خلق الله عز وجل الأرض ومن عليها وإلى أن يرثها ومن عليها أحد.

يقول الدكتور محمد عمارة [7] : (ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان النموذج الأعظم للإنسان الكامل الذى تكاملت في صفاته وشمائله وأفعاله الوسطية الجامعة، والتوازن العادل، فإن حياته وأسوته وقدوته لم تخل من المُّلَح والطرائف والنكات التى نهضت بمهام الترويح عن النفس، وتجديد ملكات وطاقات القلوب، والإعانة على جد الحياة وصعابها، مع التزام الحق والصدق والعدل) .

فبسمته صلى الله عليه وسلم رحمة، ومزاحه صلى الله عليه وسلم رحمة، وتواضعه صلى الله عليه وسلم رحمة، وتخفيفه لبعض التكاليف التعبدية عن أتباعه من المؤمنين رحمة، وأن يُشيح بوجهه عمن أغضبه رحمة، واختياره للأيسر لأمته رحمة، واستغفاره صلى الله عليه وسلم عن أمته رحمة، وشفاعته لنا في مشهد القيامة والهول العظيم بين يدى الله رحمة، ومراجعته صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في أمر الصلاة في رحلة العروج العلوية رحمة، ولو استطردنا لَفَصلنّا وأسهبنا فيما أجمله الحق في قوله الفصل الجامع المانع الماتع الحق: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [8] .

يقول العقاد [9] : (فاستراحة محمد إلى الفكاهة هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية من نواحى العاطفة الإنسانية، وهي المقياس الذي يبدى من العظمة مايبديه الجد في أعظم الأعمال. وكان محمد يتفكه ويمزح كما كان يستريح إلى الفكاهة والمزاح، وكان دأبه في ذلك دأبه في جميع مزاياه: يعطي كل مزية حقها ولايأخذ لها من حق غيرها، أو يعطي الفكاهة حقها ولاينقص بذلك من حق الصدق والمروءة. وإذا مزح محمد فإنما كان يعطي الرضا والبشاشة حقهما ولايأخذ لهما من حق الصدق والمروءة. فكان مزاحه آية من آيات النبوة، لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية، ولم يكن بالنقيض الذى يستغرب من نبي كريم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت