الدوام، وهو متصل بالبشر، يؤدي رسالة السماء غير منقوصة. إنه كان على حد تعبير القرآن:"بشرًا رسولا"فهو ببشريته مع الناس، وهو بسره مع الله؛ إنه مع الناس بإرادة الله وتوجيهه وأمره، إنه مع الناس بكلمة الله ورسالته، إنه مع الناس رسول من قبل الله [9] .
كان محمد صلى الله عليه وسلم انسانيًا قبل أن يكون نبيًا، فلما أظلته نبوته لم تبرحه انسانيته، بل لقد زَكَتْ وتوَهَجَتْ، وبقى انسانًا في جوانب حياته، تصل أرومته بأرض البشر، وتسمو روحه إلى الملأ الأعلى [10] ، وهذا حال الأنبياء والرسل عليهم وعلى نبينا السلام جُعِلُوُا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر، ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة [11] .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أكمل البشر في كافة الجوانب البشرية، كما كان أكملهم عبودية لربه وقيامًا بحقه، و كماله صلى الله عليه وسلم ظاهرٌ بقوة في عبوديته التامة لربه سبحانه وتعالى، ومنزلة العبودية لله تعالى هى أرقى درجات الكمال البشري، لأن الله إنما خلق الخلق لعبادته .. وأكمل الخلق قيامًا بها، وأتمهم لله عبودية هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي قام بحق هذه العبودية بل دعا الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة الحقة وحده سبحانه، وجاهد في سبيل الله ليخرجهم من العبودية لأهوائهم وشهواتهم الى العبودية لله رب العالمين، رحمةً منه بهم وإشفاقًا عليهم حتى لاينجو وحده دونهم ..
فالثابت أن عبوديته لله تعالى أشرف صفاته صلى الله عليه وسلم، والبشرية هي عين إعجازه، فهو بشر من جنس البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه، وذلك كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"إني لستُ كهيئتكم إنى أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني".
إن"محمدًا الإنسان"جاوزَ نُضجهَ وارتقاؤه كُلَّ تُخُوم الذات وحدودها، ولم يكن ثمةَ سبيل لوقف انتشار هذا النضج، وهذا الارتقاء خارج الذات، وخارج البيئة .. بل خارج كل زمان، وكل مكان .. إن عظمته التي فرضت نفسها، ونادت إليها ولاء المؤمنين، وإعجاب المعرضين .. عظمته التي لبثت زُهاء ألف وأربعمائة عام، وستظل دومًا، تُرسل ضياءها وسناها .. وتبثُّ في ضمير الزمن رشدها، ونُهاها .. عظمته هذه، تنبُع أول ما تنبع من إنسانية"محمد".. من الطريقة التي كَّون بها نفسه، وجدانه، وعقله تحت عين الله ورعايته .. ومن الموقف الذي اختاره والتزمه، تجاه الكون، والناس والحياة ... والحق أن"محمدًا الإنسان"شئٌ باهر .. فإذا التقى به"محمد الرسول"فإن عظمته آنئذ تجاوز كل حدود الثناء! ولكن، لماذا أضع الإنسان مقابل الرسول؟ أو ليس الرسول