كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفصل في تعامله مع المسلمين بين الإنسان والرسول .. ولئن كان رسول الله بشرًا رسولًا إلا أنه كان يفصل بين ما يوحى إليه من ربه، وبين ما يسوس ويقود المسلمين، ففي الأولي الطاعة التامة لأوامر الله ونواهيه، وفي الثانية شورى بينه وبينهم كما عرف من تبعه في دين الله أنه يصدر فيما يري ويقول إما عن الوحي الإلهي، وإما عن نفسه، وهم يفرقون بين هذا وذاك فالوحي أمر وطاعة وما عن نفسه فرأي وشورى وهم يفرقون بين محمد الرسول ومحمد الإنسان [4] .
يقول الشيخ عبد الجليل عيسى أبو النصر [5] : (لهذا حرصتُ على أن أتناول جانبًا من هذه العلاقة في حدود ما جاء به القرآن وصح من الحديث الشريف. هذا الجانب هو قول الرسول وعمله خارج دائرة الرسالة الإلهية. لأؤكد ماأكده الإسلام الذي هو دين الله من أن محمد بن عبد الله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فيما وراء الرسالة كان إنسانًا. فله العصمة فيما أرسل به للناس من قبل الله من وحي متلوّ وغير متلوّ، وله حكم الإنسان المجتهد فيما أتى به من قول أو فعل بعد ذلك. وهذا الازدواج في النظرة إلى رسول الله لايغير من تقديره واحترامه في نفوس المؤمنين بدينه) .
هذه هي النبوة شخصية متزنة منذ ولادة صاحبها، عاقلة مفكرة مميزة بين الخير والشر. هذا هو الاستعداد لتلقي رسالة السماء وكيف لا؟ فإن التكامل في هذه الشخصية لابد له من القدر الإلهي، لابد له من الرسالة، لقاء السماء بالأرض، آيات من الله لتكون دستورًا أبديًا متجددًا وشخصية مميزة بكل ما يعني التميز من معنى، تلتقى الشخصية بما لديها من ملكات بما تنزله السماء فتحدث المعجزة؛ معجزة الله في شخص هذا النبي [6] .
لقد صدق من قال أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم يكن رسولًا كريمًا لكن بحق رجلًا عظيمًا ... نعم. فلو لَم يكن صلى الله عليه وسلم رسولًا لكان"إنسانًا"في مستوى الرسول يبتدره من يراه هاتفًا: هذا الرجل كاد أن يكون نبيًا، وحاشاه أن تنفصل نبوته عنه صلى الله عليه وسلم، فالنبوة رسالة وليست وظيفة، بقدر ما نريد أن لانغمطه حقه صلى الله عليه وسلم فنَكِل كل مافيه إلى النبوة منكرين عليه ملكاته وأخلاقه وصفاته الخاصة به.
لهذا وجب المواءمة بين {بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [7] و {يُوحَى إِلَيَّ} [8] وهذه ترجع إلى قوة الشعور الديني والإيماني لمن يقرأ أو يكتب عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث تغليبه إحداهما أو الميل لواحدة فقط ونفى الأخرى .. بيد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه نبي ورسول فهو متصل بالله دائمًا، إنه في السماء على