إنسانًا؟ .. بلي، أن الرسول إنسان، وإنما أريد بصفة"الإنسان"هنا، التنبيه إلي الطابع البشري المحض الذي يشترك فيه"محمد"مع غيره من الناس والذي تفرَّق فيه علي من سواه من الناس .. فهذا الطابع البشري بكل انفعالاته، وبساطته، وتلقائيته هوالذى يُبهجنا ويُبهرنا، لأنه من صنع واحد منا .. واحد مثلنا .. ومن ثَم، فهو يمنحنا ثقة بأنفسنا، واحترامًا عظيمًا لبشريتنا التي تنجب مثل هذا الطراز الرفيع من الخَلق [12] ، فعظمة محمد في إنسانيته عندما عانقت رسالته .. إن الإنسان والرسول، إلتقيا في محمد لقاءً باهرًا، والذين استرابوا في رسالته، لم يستريبوا في عظمته ولا في صفاء جوهره، ونقاء إنسانيته، وإن الله الذي يعلم أين يجعل رسالته قد اختار لها إنسانًا، يزكيه أقصى ما تطمع البشرية في إدراكه من رفعة، وسمو، وأمانة [13] .
الحق الذي لا مرية فيه، إنه صلى الله عليه وسلم بشر .. ولكن ونحن في دنيا البشر لانساوي في النظرة والحكم بين كل البشر، فهناك التمايز والتباين، فمحمد بشرٌ مثلنا وليس بشرًا مثلنا .. لأنه يوحى إليه ونحن لايوحى إلينا بشيء .. وإنما نحن أصحاب إجتهاد على الأكثر .. أقصى مانحلم به هو انقداح الفكر وفيض الخاطر .. وهذا الفرق الدقيق هو سر النبوة .. إن النبي مثلنا وليس مثلنا، هو في حضرة الملأ الأعلى والملكوت يرى جبريل رؤية عين، ويسمع منه، ونحن في الحضرة الأرضية، وفي الحضيض البشري محجوبون لاحظَّ لنا في هذه المرائي العالية [14] ، إن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بشر، لكن الوجود لايعرف تفاوتًا بين أفراد جنس واحد كما يعرف ذلك في جنس الإنسان، إن بعضهم أرقى من الأفلاك الزاهرة، وبعضهم الآخر لايساوي بعرة، وإن كان الكل بشر .. وذلك التفاوت واقع بين من لم يؤيدوا"بوحي إلهيّ"فكيف إذا أصطفى إنسان ما وزيد في أطوار آخر فومض فيه أشعة التأييد والتوفيق والإرشاد والإمداد [15] .. والذي يعطينا اليقين في إعجازات النبوة، هو ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولٍ أكده مستقبل الزمن الآتي بعد القول [16] ، وهو نفس اليقين المستقر في القلوب نحو الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم وهو ما أكده ويؤكده أقوال المفكرين والعلماء من المسلمين وغيرهم، ومن العرب والعجم ممن هم على الملة وممن لا يدينون بها.
إن البشرية ما هي إلا آية عظيمة في نبينا صلى الله عليه وسلم الذي استطاع وهو بشر مثلنا أن يضطلع بآخر رسالات السماء، وأن ينقل بها الإنسانية إلى مرحلة الرشد، ويحررها من ضلال الوثنية وشوائب الشرك، ويقودها على مراقي طموحها إلى تحقيق وجودها الأسمى. آية البطولة في محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أنه استطاع أن يدخل التاريخ كما لم يدخله سواه [17] .
مهمتنا في كتابنا هذا، ليست نفى النبوة وإثبات البشرية عنه صلى الله عليه وسلم وحدها، ولكن التركيز على البشرية لإثبات عظمته في كل الأحوال بشرًا فقط أو كان بشرًا رسولا .. لنثبت بالتطبيق أنه صلى الله عليه