وكيف يبيع رضوان المعبود والباقيات الصالحات بالفانيات الدانيات، فلله درُّه، لقد قدم للمسلمين وأهل السنة ما عجزت عن تقديمه المؤسسات والدول، فسبحان من علمه وزهده، وسدده وهداه، كما نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.
وقد ظهر هذا الإمام شيخ الإسلام في وقت كادت أعلام الإسلام أن تطمس، ورايات السنة أن تُنكس، فأعاد الله به هذا الدين جذعًا كأنه في ذلك الوقت أنزل، فدعا الناس إلى ترك التلقي في مسائل الدين من خارج الوحي، ودعاهم بكل قوة ويقين إلى العودة إلى النبع الصافي والمشرب الوافي، ولم تأخذه في سبيل ذلك لومة لائم، كان غريبًا لكن فذًّا لم يزدد بغربته في الله إلا عزَّا، ترك الناس أحوج ما يكون إليهم، لم يثنه السجن ولا السب والتبديع ولا التكفير والتهديد عن الصدع بالحق، فنصر الله به الدين، وكشف به زيغ الملحدين، وكتب الكتب التي لا أعلم بعد كتاب الله وسنة رسوله أعظم ولا أجل ولا أفخم منها، إذا فهمها العالم المؤهل لها أصبح في زمانه إمامًا، وبين أقرانه فذّا.
بل لا أعلم عالمًا مبرزًا على نهج السلف في الأصول والفروع بعده إلا من استفاد من كتبه وعكف على تراثه، فمن حسناته أنه تخرج على يده أجل العلماء المتأخرين، فأين في المتأخرين مثل ابن القيم أو ابن كثير أو الذهبي! كل منهم جامعة بمفرده، وصدق والله حذام المحدثين المتأخرين الحافظ العلم ابن حجر الشافعي حين قال: (ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم, والتمييز في المنطوق والمفهوم: أئمة عصره من الشافعية وغيرهم، فضلًا عن الحنابلة، فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر، أو على من سماه شيخ الإسلام: لا يلتفت إليه، ولا يُعوَّل في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذلك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل, وحسبنا الله ونعم الوكيل) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر: ص 15. فكان هذا الإمام وهؤلاء الطلبة وهذا الحافظ وأمثاله مما يقيِّضهم الله تعالى لحفظ هذا الدين الذي تكفل بحفظه كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .
كان ابن تيمية بحق أحد المجددين العظماء، الذين لا يريدون من الخلق جزاء ولا شكورًا، والذين يُتقرب إلى الله بحبهم، ويتنافس في الذب عن حياضهم، ونسأل الله أن يعلى منزلته، وأن يجمعه مع من