الصفحة 13 من 65

الأيمن، أقول: ينسب لعيسى ابن مريم - عليهما السلام - لأن الاستغراب يدرس مدى دقة هذا القول المنسوب الذي يظهر من منطوقه أنه مدعاة للهوان باسم التسامح، ولا يظهر أنه من التسامح، وهل تصح نسبته لعيسى ابن مريم - عليهما السلام؟ وهذا من صميم توضيحات الاستغراب الثقافي (الديني) ، لما اعترى هذه الثقافات الأخرى تدخل بشري، هذا دون ممارسة أسلوب الوصاية على هذه الثقافات - كما سيأتي تفصيل بعض معطياته.

مع كل هذه الاعتبارات مأخوذة في الحسبان ينظر إلى الاستغراب على أنه دراسات موضوعية هادئة كاشفة عن الحسن والسيئ (الإيجابي والسلبي) ؛ فالإيجابي يؤخذ به ويستفاد منه، والسلبي يطرح ويتجنب ويحذر منه، وموضوعيتها أدعى إلى الاقتناع بما لدى القوم من خير وشر، وبحيث تتولد الإرادة في الانتقاء، فليس الغرب شرًّا كله، وليس هو خيرًّا كله.

ولا تتولد الإرادة والاقتناع إلا بالتخلي عن (الأفكار المسبقة) بوصفها عدوة الشعوب والثقافات الوطنية، وعدوة الحضارة الإنسانية التي شن عليها محمد عزيز الحبابي حملات شعواء، وحاربها في الشرق كما في الغرب [1] .

من هذا المنطلق يمكن قبول الاستغراب؛ سعيًا إلى فهم الآخر فهمًا مباشرًا، من أجل التعامل معه تعاملًا يعود نفعه علينا نحن مباشرة وبالدرجة الأولى، ثم يعود نفعه على المستهدف منه بالدرجة الثانية، إذا كان لهذا الأمر درجات! وهذا ما يسعى إليه المسلمون في سبيل التعامل مع ما حولهم ومع من حولهم، فلم يعودوا في معزل عن العالم، ولن يستطيعوا، ولم يعد العالم في معزل عنهم، ولا يستطيع [2] .

عليه يمكن أن ينظر إلى الاستغراب على أنه:"الوجه الآخر والمقابل، بل والنقيض من (الاستشراق) ، فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الشرق) ، من خلال الآخر (الغرب) ، يهدف (علم الاستغراب) إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا، ومركب العظمة عند الآخر"، كما يقول حسن حنفي [3] .

(1) انظر: محمد عزيز الحبابي. لدينا الاستغراب الملائم لنا. ص 113 - 127. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 319. والنص منقول عن المحاور. ص 115.

(2) انظر: مازن مطبقاني. الغرب من الداخل: دراسة للظواهر الاجتماعية. أبها: نادي أبها الأدبي، 1418 هـ (1997 م) . ص 115.

(3) انظر: حسن حنفي. مقدمة في علم الاستغراب. مرجع سابق. ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت