ويؤيد محمد النيرب أحد الباحثين العرب المهتمين بالغرب هذا التوجه بقوله:"أنا لا أريد أن يكون الاستغراب مثلما كان الاستشراق، بل أريد أن يكون أرقى في التفكير، وأنبل في الأهداف، وينبغي أن يكون هدف هذا الاستغراب هو إعطاء القارئ العربي معرفة أفضل وأدق بالبلدان الغربية، ودرجة تطورها، فالاستغراب لا بد أن يكون متميزًا ومختلفًا بصورة واضحة عن الاستشراق، وأعتقد أنهم في الغرب سيرحبون، كثيرًا، بمثل هذا المشروع؛ لأنهم سيستفيدون من هذا المشروع أكثر مما استفادوا من الاستشراق" [1] .
ويؤكد محمد النيرب أيضًا على أنه من الواجب على العرب والمسلمين أن يشرعوا في تأسيس علم الاستغراب؛"فالظروف الحالية التي يمر العالم العربي تحتم عليه أن يفهم بدقة هذه الحضارة الغربية التي خضع ويخضع لها في نواح عديدة من حياته، فربما يدفعه هذا الفهم الجيد نحو سلوك أفضل" [2] .
وعليه، فإن الاستغراب لا ينظر إليه على أنه فكر معادٍ للغرب، وليس هو فكرًا معاديًا للتقانة أيًّا كان مصدرها، ولا ينظر الاستغراب للغرب على أنه عدو لله تعالى، وليس في الأمر تصفية حسابات تطغى عليها العاطفة والنزعة الانتقامية - كما تؤكد بعض الطروحات - [3] ولا هو مضاد للاستشراق أو مواجه له.
ولا يُنكر الاستغراب حال التوتر بين الشرق والغرب، كما لا يتجاهل ما تعرض له الشرق تاريخيًّا من الغرب، من أيام الحملات الصليبية وما قبلها وما بعدها، ومع عدم هذا التجاهل، لا يعين الاستغراب في الاستمرار في صناعة الكراهية بين الثقافات [4] ، وتوسيع الفجوة بينها.
وليس الاستغراب كذلك ضربًا من الهوان المعبر عنه بلغة الاعتذار والتسويغ، ولا يؤمن بما ينسب إلى عيسى ابن مريم - عليهما السلام - بأن تدير خدك الأيسر لمن يصفعك على خدك
(1) انظر: محمد النيرب. مع استغراب بدون استشراق. ص 247 - 253. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. مرجع سابق. ص 319.
(2) انظر: محمد النيرب. مع استغراب بدون استشراق. ص 247 - 253. في: أحمد الشيخ. من نقد الاستشراق إلى نقد الاستغراب: المثقفون العرب والغرب. المرجع السابق. ص 319.
(3) انظر: عبدي كالانتاري. الاستغراب: الغرب في عيون أعدائه. السجل. ع 17 (13/ 3/ 2008 م) . http:/ / www.ag;- iggill.com/ sifflil - items/ sitem 1313.htm وهو عرض آخر لكتاب إيان بيوريوما ومارغاليت آفيشاي. الاستغراب: الغرب في عيون أعدائه.
(4) انظر: علي بن إبراهيم النملة. صناعة الكراهية بين الثقافات وأثر الاستشراق في افتعالها. ط 2. دمشق: دار الفكر، 1430 هـ (2009 م) . ص 172.