الصفحة 74 من 81

ولم يكن الزمن يحد من تأثير أي منها فنرى أن كل شيء وكأنه مؤجلًا غير قسري متعجل وغير متسارع إجباري وفي النهاية تظهر لنا وتعلن الأحكام وإذا أردنا أن نجعل كل هذا الكلام الذي نتحدث عنه داخل إطار أو مفهوم بسيط، لقلنا: إن هناك محكمة قد شكلت لكل حدث بكامل هيئتها موجودة في الذهن وليس وجودة في الواقع؛ أي: إن هناك شيئًا غيبيًّا لا حاضر له، وأن المحاكمات تجري ولك من يهمه الأمر فيها، فرآهم في حركة دائبة دائمة، فالعمل موجود والذنب موجود والاتهام موجود، والشخص الفاعل موجود، والمتهم موجود، والشهود موجودون، والحاكم القاضي موجود، والمدافع موجود، وتجري كل هذه التفاعلات مع الزمن، وفي النهاية تصل إلى النتائج في سياق الفعل المنطقي وفي سياق العدل الواقعي في تركيب إعجازي مهيب.

ولا يمكن لنا هنا أن نستمر في هذا التعبير الاصطلاحي بدون أن نأتي بالمقارنة مع ما جاء في أحداث السورة؛ لنرى كيفية تشكل كل دائرة بأحداثها، وبأحكامها القضائية وبنتائجها الإعجازية المذهلة، وكبادرة تسهيل الدخول، وجدنا أن نذكر حديثًا جاء في البخاري كمدخل مباشر، واعتبرناه باب عريضًا وسهلًا للفهم، وكذلك آية من آيات الله في آخر سورة يوسف (110) .

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا ... } .

قالت عائشة رضي الله عنها عندما سألها عروة بن الزبير عن هذه الآية، قالت:"هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدَّقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن اتباعهم قد كذَّبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك".

والآية (50) قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي."

الشاهد الذي نستخلصه من هذين الحديثين أن هناك حدث ما مؤلف من فعل وقول وذنب وبراءة وهناك محكمة ما مؤلفة وكاملة الهيئة معقودة وهناك خلالها حركة مستمرة ولا تتوقف، وزمن يطول ويقصر، لا يعلم أحد عنه شيئًا، وفي ساعة معينة يصدر الحكم بالنصر بالبراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت