الاحتمال الثاني: وهو الراجح بظاهر الحادثة، وأن القميص حمل دليل البراءة بأنه قُدَّ من دبر، فهو الشاهد الضعيف في بنيانه وكينونته، وهو القوي في دلالته وعفويته وصدق مقالته وروايته، ولم يكن له لسان ولا ادعاء سوى الهمة وعصمة النفس، ووفاء الدين لسيده بحضوره وبغيابه.
-الآية (29) : جاء فيها ملخص الحكم المتوازن العادل ويحمل بظاهره حلم وروية وأناة العزيز وتمتعه بحنكة الحاكم ذو النظرة والتفكير بأفق واسع قال تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} .
-فالشطر الأول من الحكم يتضمن مطالبة يوسف بكتمان الأمر وعدم التحدث به لقاء البراءة والعفو التام وعدم المساس به.
-والشطر الثاني من الحكم يتضمن مطالبة امرأته بالاستغفار عن الذنب، فهي مخطئة ويجب عليها التوبة وعدم تَكرار ذلك، فالعزيز أصدر حكمه وهو يعلم أن الحادثة وقعت في عقر بيته، فحكمه كان وئد الحادثة بأرضها؛ خوفًا من خروجها وذيوع تفاصيلها في المدينة، وكان حكمًا سديدًا.
ثالثًا: الرواية الربانية (علم الله) :
وتتوزع الرواية هنا على عنصرين أساسيين في هذه الدائرة من وازع قميص الإيمان وذلك من استكمال بناء كل ما يحيط بتمكين يوسف عليه السلام وهي تشكل الجزء الأول مما سوف يأتي بالدائرة الثالثة، وستأخذ كذلك نفس العنوان وذات السياق الأهداف إن شاء الله تعالى.
العنصر الأول: وهو يوسف (النبي) عليه السلام:
والعنصر الثاني: كل ما يحيط بيوسف وسوف نأتي على تفصيل كل منهما.
أولًا: العنصر الأول: (يوسف النبي) :
ويجب التأكيد أن الرواية الإلهية تدعم يوسف عن طريق الوحي الرباني وهو لا زال فتى عبدًا وهم لا يشعرون به وهذه حكمة إلهية من أجل استكمال الهدف في وجوده في مصر ولا غرابة في ذلك أبدًا فالأمر ينسجم تمامًا مع مجموعة الناس الذين يعيش في وسطهم وهم سادة القوم وحكمائه وكبرائه فكيف إذا تصورنا أن يوسف وهو العبد المملوك وفي هذا البيت يعلن على هذا الملأ فجأة وبدون سابق إنذار ولا تمهيد أنه مبعوث من السماء ونبي وأن يتركوا ما يعبدون