من يوسف لعلهم يجدونه وكانت هذه حجته وبذات الوقت يذهبون بعيرهم محملة بالتجارة ويبادلونها هناك في مصر مما توفر فيها من أرزاق وخيرات.
وقد لين جانبهم إلحاح الشيخ الكبير والحزن الشديد الذي يعيش به وما تخفي سرائرهم وما أخفوه عن أبيهم كان يدغدغ دواخلهم تحدوهم آمالهم وآلامهم على ما فعلوه بأخيهم الصغير فلعلهم يجدون له من أثر وقد اثنيت عزيمتهم وكانت البادية بالرحلة الأولى ثم الرحلة الثانية ثم تبعتها الثالثة وهكذا شيئًا فشيئًا تعرفوا على المدن والحضر وناسها وحكامها ووجدوا الفارق الكبير بالمعاملة والنوايا الحسنة فقد أخذوا يسمعون لمشورة أبيهم من جهة ويطأطؤون له رؤوسهم ومن الجهة الثانية يعترفون شيئًا فشيئًا بفضل أخيهم يوسف عليهم وانتهت المرحلة الأولى بأن وجدوا ما قد آثره الله عليهم واعترفوا بخطيئتهم.
وجاؤوا جميعًا إلى الحضر (مصر) وودعوا البادية وحياتها وشقائها وقسوتها ونسوا مكائد الشيطان واستغفر النبي لهم وبدأت مرحلة جديدة في حياتهم وبدأت العناية الإلهية بحضانتهم في تجمعاتهم الجديدة بين البيوت المحددة والمدن المسورة والزراعة المسقية والأنهر الجارية ولم يعد هناك انفلات ولا صحراء ولا عبث، إنما هي حياة منظمة يسوسها ملك ويرشدها نبي، ويجاورها رعية، والكل هنا يروحون صباحًا ويقيلون ظهرًا ويغدون (مساءً) .
نهاية الحضانة:
وهي ليست محددة بساعة أو بيوم أو بسنة وهي كذلك لا تشبه أي نهاية تختم حكاية قصة أو حكاية قوم أو أي حدث ما.
وإنما هي نهاية امتد تاريخها منذ أن بدأت فالبداية فيها متداخلة وفيها ملامح ومؤشرات النهاية كذلك أحداث تفاصيلها ومجريات أمورها التي امتدت على نحو من أكثر من مائة عام أو تزيد امتزجت بخيوط غير مرتبة وغير معلنة وغير محددة ولكن آيات الله في القرآن العظيم أعطت الدليل القاطع لبعض من المحطات الرئيسة لفترة بداية الحضانة ولفترة انتهائها ومع التدقيق بهذه المحطات فقد رأينا بعضًا من أهم ما أشارت إليه آيات القرآن العظيم وهي كالتالي:
أولًا: اجتماع قرة عين:
قال تعالى في سورة يوسف الآية (100) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا