النظام القانوني من شريعة الإسلام يتسم بالاستيعاب والإحاطة ... (و) أنه لا يمكن أن تقع واقعة في حاضر الزمن ومستقبله دون أن يكون لها حكم في الشرع ... يدخل تحت الأحكام الخمسة: الإيجاب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم [1] .
وقد جاءت الآيات العديدة تنعي على من بدل أحكام الله من عند نفسه فأحل ما حرمه الله تعالى أو حرم ما أحله وتجعل ذلك افتراءًا على الله تعالى واعتداء على وحدانيته وألوهيته, يقول الله عز وجل {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [2] .
كما نصت آيات عدة على أن تحليل المحرم وتحريم المباح اعتداء وافتراء وشرك عظيم, قال عز وجل {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [3] , وقال عز وجل {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [4] .
يقول سيد قطب - رحمه الله:
قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم الله عليه من الذبائح تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول مبدأ حق الحاكمية المطلق لله وحده وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته ...
وحين تكون القضية هي قضية المبدأ ... لا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أولا يؤكل, أو أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع, فهذه كتلك من حيث المبدأ وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية الله وحده أو تعني رفض الألوهية ... [5] .
كما نهت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية عن طاعة الحكام في تغيير شرع الله واعتبرت ذلك شركًا بالله, يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} :
حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك لقوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} الآية, وقد روى الترمذي في تفسيرها: عن عدي بن حاتم أنه قال
(1) د. مصطفى الزرقاء وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية والشبهات التي تثار حولها, بحوث مؤتمر الفقه الإسلامي, الرياض, جامعة الإمام, محمد بن سعود الإسلامية, 1396 هـ, ص 224.
(2) سورة الأنعام, آية 140.
(3) سورة يونس, آية 59.
(4) سورة الأنعام, آية 121.
(5) سيد قطب, في ظلال القرآن, الجزء 3, بيروت, دار الشروق, 1400 هـ, ص 1193.