الصفحة 18 من 52

كما أعطت الشريعة للإمام الحق في أن يسن لوائح وتنظيمات «تنفيذية» من المباحات تتعلق بالكيفية التي تنفذ بها الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة والإجماع وتحدد الأساليب والوسائل التي يتم تحقيق الحكم الشرعي بها نحو سن الدواوين بهدف تقدير أهل العطاء وحصرهم, ونحو اتخاذ البريد.

فالإمام مخول شرعًا بتبني أحكامًا شرعية وجعلها لوائح وتنظيمات «تشريعية» للرعية وهذه القواعد لا يجوز بحال أخذها من غير نصوص الشرع كأحكام الحدود والجهاد, والنكاح, والبيع, والإجارة ونحو ذلك. كما أن للإمام الحق في سن قواعد «تنفيذية» للرعية تبين الوسائل والأساليب التي تنفذ بها الدولة الأحكام الشرعية الخاصة بمسئولياتها, وله أخذها بحسب المصلحة, من أي مصدر شريطة عدم مخالفتها للشرع [1] .

فيجوز له مثلًا اعتماد السلاح الجوي أو البري أو البحري كوسيلة جهادية ووضع استراتيجية لذلك, كوسيلة وأسلوب لتنفيذ الحكم الشرعي الثابت بقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [2] وهكذا.

ومن ذلك يظهر أن الإسلام جاء بقواعد تبين أن السيادة للشرع, وأن حق السلطان للأمة, وأن الإمام نائب عن الأمة في ممارسة ومباشرة هذا السلطان [3] , ولقد خفي هذا المعنى على كثير ممن نسب السيادة أو بعضها للأمة حيث اختلط عليهم ممارسة السلطان ومباشرة الحكم مع واقع السيادة, فجعلوهما أمرًا واحدًا مع اختلافهما شرعا ًوعقلًا.

فالسيادة هي الإرادة القاهرة التي تسير الأمة بحسبها, أما ممارسة السلطان فهو تنفيذ الأوامر والنواهي, ولقد جعل الشرع الإسلامي الممارسة خاضعة بالكلية لسيادة الشرع وأسقط الشرعية بالكلية عن الدولة عند خروجها عن الشريعة ومخالفتها لسيادة الشرع, حيث قررت الشريعة أن الحكم بأنظمة قانونية مخالفة للشريعة يجعل الدار دار كفر, وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله:

البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام, تجب الهجرة منها وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فيجب الهجرة فالكفر بفشو الكفر وظهوره ... ولو قال من حكم بالقانون أنا أعتقد أنه

(1) لمزيد من التفاصيل راجع د. محمد أحمد مفتي ود. سامي صالح الوكيل, التشريع وسن القوانين في الدولة الإسلامية دراسة تحليلية, الرياض, جامعة الملك سعود, كلية العلوم الإدارية, مركز البحوث, 1410 - 1990, ص 22 - 26.

(2) سورة الأنفال, آية 60.

(3) راجع د. مفتي, مرجع سابق, ص 77 - 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت