الحمد لله عز وجل على نعمة التوبة من كل ذنب، والبراء من كل نقص عيب، ونعوذ به من كل خلل وذلل، نسأله سعادة السداد بهداية الرشاد، وطمأنينة الرضا في كل حال، فهنيئًا لنفسٍ تاب الله عز وجل عليها لتتوب، وهداها لتثوب، وأنعم عليها لتؤوب، اصطفاها فعرفها سبيل الإخلاص، ومنَّ عليها بمنّة الخلاص، رعاها فهيأ لها أسباب الفلاح والصلاح، يقول الله: عز وجل {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [1] .
أخي المدخن: إن حديثي عن التدخين كعادة سيئة ومهلكة، وما تعرضت له من أحكام أهل الثقة من العلماء، وما قد توصلت إليه نتائج البحوث الطبية والنفسية، أردت به استحياء إرادتك تحقيقًا لمرادك ومنيتك، في خلاصك من غل عادتك وأسر سيجارتك، والأمر بيدك، ... فالمال مالك والصحة هي صحتك، ولك الخيار في عاقبة أمرك ووجهتك، فاعلم أن نفسك إن لم ترحمها صغيرًا لن ترحمك كبيرًا، وإن لم تصنها وأنت في صحتك، فلن تعينك وأنت ف علتك، فجسمك الذي تحمله ما لا يطيق، لن يقوى على حملك بأي طريق، فراجع نفسك ودنياك عليك مقبلة، فهي حتمًا عنك مدبرة.
أخي المدخن: تلك خواطري إليك أبثها، وخلاصة تجربتي لك أهديها، مع كل خفقة تنبض في قلبي، ودفقة تسري في دمي، بلهفة أمل وليد، وومضة رجاء وضئ، فرحمة الله عز وجل واسعة، ومغفرته عظيمة، فاحذر من جزع العجز عن بلوغ المراد وتحقيق القصد، فاليأس من رحمة الله عز وجل وعفوه، أشد خسارة وندامة، فلا تجعل الأوهام تحاصرك، والاضطراب ينهكك في لوم نفسك وزجرها، لعجزك عن كبح جماحها عن غيها، فلا تيأس أن تقهرها يومًا، ولا أن يغفر لك ربك دومًا، فإنه غفار الذنوب وستار العيوب، وهو القائل عز وجل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [2] ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: (يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) [3] ، ويقينا أن ألم الندم على اقتراف السيئات، أثقل في الميزان من سعادة الرضا بتحصيل الحسنات، وأبرأ في العمل من داء الرياء.
(1) النساء: 26 - 27.
(2) الزمر: 53.
(3) رواه الترمذي (3540) وقال:"حسن غريب".