الصفحة 39 من 58

إن في داخل كل إنسان طاقات لا حدود لها على تحمل تقلبات الأيام، فكم من مترف ينام على الحرير، يأكل ما لذ وطاب من الطعام والشراب، قد زج به في غياهب السجون يفترش الأرض ويلتحف السماء، يتجرع في ظلمة الليل آلام الحسرة على ما فات، ويكابد النهار مقهورًا بالعمل الشاق يصطلي العذاب في كل اللحظات، محاصر في حاضره المشئوم بين الحسرة على ذكريات الماضي بنعيمه المفقود، وبين اليأس من هموم المستقبل بجحيمه الموعود مع الحرمان والشجون، فهل كان هذا المسكين يظن نفسه يوما يحرم من هذا الترف؟!.

في تلك الظروف العصيبة تتولد من داخل النفس إرادة التحمل وعزيمة التكيف لمواجهة الحياة، مهما كانت قسوتها ومرارتها إما بكبت المستسلم لواقع أمره، أو بصبر المسلم لقضاء ربه، والفرق كبير بين صبر الراضي لما قضاه الله عز وجل، يسمو به إلى الإحسان، وبين كبت الساخط عليه، يسقطه في حفر العجز والهوان.

وحينما تعجز النفس عن تحقيق آمالها، فتخور الإرادة وتنهار العزيمة، ليس أنجى لها من الضياع إلا اللجوء إلى الله العلى القدير، فمن استعان به أعانه وهداه، ومن توكل عليه كفاه، ومن دعاه لبّاه، ومن احتمى بحماه حماه، ورعاه واصطفاه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإن طريق الخلاص من كل عقبة، والنجاة من كل سقطة، أن نتسلح بأسلحة الإيمان، وأن نتعلق بأطواق النجاة على نور الإيمان ودروب الإحسان؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت