سؤال ألقيته على عشرات من المدخنين فلم أسمع إجابة واحدة مقنعة، أغلبها أن يقول لا أعلم، أو يقول إنما هي عادة تعودتها، والثالث يكون جوابه الدعاء على الذي دفع به إلى هذا الطريق، فمع تلك الإجابات الواهية، إذا كنا لا نعلم لماذا ندخن فكيف نواصل السير في هذا الطريق الخطيرة عواقبه، ونحن نعلم يقينا نهايته المهلكة؟!.
إنه التقليد الأعمى للكبار، ونحن الصغار نتوهم أن التدخين من علامات الرجولة، ويا ليتنا سمعنا النصيحة الغالية للطبيب العالمي كيث باك الذي يقول فيها: (إن من بين كل عشرة مدخنين ثلاثة أو أربعة أو خمسة سيلقون حتفهم حتمًا بسبب التدخين، وإن الشاب الذي يدخن ليثبت أنه رجل، أقول له: يا بني اترك السيجارة لتثبت أنك حقًا رجل!!) ، إن السيجارة التي تعطي مظهرًا خداعًا للرجولة ثمنها تافه، فهي توفر على العاجزين بذل التضحيات الكبيرة، ليهربوا من مواقف الشهامة والمروءة التي يفتقدونها ليكونوا رجالًا بحق!!.
قال جورج واشنطون أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية مخاطبًا المدخنين:
(لو أراد الله أن يكون الإنسان مدخنًا، لجعل فتحتي أنفه لأعلى مثل المدخنة، لا كما خلقها لأسفل) ، كذلك هنري فورد صاحب واحد من أكبر مصانع السيارات في العالم يقوم: (حذار أن يستقبل الشاب الحياة وهو غارق في سحب الدخان الخانقة، من تلك السيجارة الذميمة فإنها ستقتله حقا) ، أما العالم الفذ توماس أديسون صاحب المخترعات الباهرة، والتي منها المصباح الكهربي، يقول: (إني أؤثر أن أرى مع أي إنسان مسدسًا يسدده إلى فمه، من أن أرى لفافة تبغ بين شفتيه) ، كما وضع الملك جيمس الأول كتابًا عن أضرار التدخين، وأصدر بيانًا يقول فيه: (أليس ذلك قذارة وتفاهة، لما تنفخون دخانًا قذرًا برائحة كريهة، نافثيه في وجوه الآخرين ملوثين الهواء؟!، فكم يكره هؤلاء ما تفعلون بشدة؟!) .
إن التدخين مع بداية انتشاره في العالم كان سلوكًا شاذًا ومرفوضًا بشدة، ولقد أوقعت معظم حكومات العالم عقوبات بالغة على المدخنين، بل نفذ في الولايات المتحدة حكم الإعدام على بعضهم، وكان السلطان العثماني مراد الرابع يتعقب المدخنين ويضطهدهم، ويحكم كذلك على المتلبسين منهم بالإعدام، وكان الشاه عباس الأول في فارس يثقب أنوفهم، ويضع فيها العيدان، وكان ولده الشاه صفي الدين يصب الرصاص المذاب في أفواههم، وفي روسيا كانت عقوبة المدخنين كسر أنوفهم ونفيهم إلى سيبيريا، كما أمر القصير ميخائيل رومانوف بجلدهم، وهكذا كان التدخين فعلًا فاسد يتهم صاحبه بالانحراف والشذوذ، ولو كان ملكًا كنابليون الثالث، الذي لقبوه برجل السيجارة.
لقد وقف رجال الدين في أوربا من التدخين موقف الاستنكار والتحريم، فلقد حرمه بابا الفاتيكان أرخين الثالث، وحرم على المدخنين دخول الكنائس، كذلك أصدر البابا أوربان السابع أمرًا بابويًا بتجريم المدخنين، وأعلن في