سألت عشرات ممن يبيعون السجائر، هل في بيعها مكسب؟! فأجابوا أن بيعها لا يمثل لهم مكاسب، قياسًا للمبالغ المرصودة في الاتجار بها، إلا أنها عندهم سلعة ضرورية لجذب الزبائن، فهي أول سلعة يسألون عنها، فإن لم يجدوها انصرفوا إلى غيرهم، فالبائعون يعتبرونها وسيلة للرزق، فهل يرضى الله عز وجل عن بيعها؟! وهل الأرزاق التي يتحصلون عليها ببيعها أرزاق طيبة يبارك الله فيها؟!، وهل سعينا للرزق مهما كانت حيلتنا في تحصيله هو الذي ينزلها من السماء، أم أن الأرزاق مقدرة مسبقًا في علم الله عز وجل، وهو القائل {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [1] .
وعن جابر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ) [2] ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِيَ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ) [3] .
لا تعجلن فليس الرزق بالعجل ... الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرزق يأتينا ... لكنه خلق الإنسان من عجل
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ) [4] ، وليس التاجر الصدوق من يروج سلعة تقتل زبائنه، وليس التاجر المخلص في عقيدته من يتوهم أن الرزق يأتي بمخالفة أمر الله عز وجل الذي بيده وحده مفاتيح الأرزاق، فإلى كل من يبيع الدخان في أي صوره أناشده الله عز وجل أن يكف عن ترويج هذه السلعة الماحقة للبركة، وأن يتحرى الرزق الحلال الطيب، الذي يطيب الله عز وجل به ماله وأهله وولده ودنياه وآخرته.
(1) الذاريات:22.
(2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (7/ 90) وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (5240) ، وقوّاه في الصحيحة (952) بشاهدين ذَكرَهُما.
(3) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (10/ 26) ، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع (2086) .
(4) رواه الترمذي (1209) وحسّنه.