الصفحة 33 من 58

ما سر سيطرة السيجارة وهيمنتها علينا واحتلالها مساحة كبيرة من حياتنا، إنها تشاركنا في الغضب والرضا، في الفرح والحزن، مع الشاي والقهوة، مع صحبة الأصدقاء حين يلتقون، بعد تناول الطعام، عند تصفح الجرائد والمجلات، في بحث مشاكلنا وحل خلافاتنا، ساعة مشاهدة التلفاز، وقت ساعات العمل، أثناء الراحة قبيل النوم في حزن نودعها، وعقيب الاستيقاظ في فرح نعانقها، بل منا الذي لا يدخل دورة المياه إلا بصحبتها، ولو بحثنا لوجدنا أن الدافع إلى التدخين يكون بسبب عادات تأصلت في نفوسنا بفعل التكرار المستمر والإلف الغبي، وأكثر بكثير من رغبة حقيقية داخلية استدعتها الحاجة إلى السيجارة، وإلا فما العلاقة بين لحظة الغضب المتأجج الذي لا ينطفئ إلا على لظى نيرانها وخبيث دخانها، فهل تتسع الصدور التي ضاقت بالغيظ وتنشرح بأنفاسها المسمومة؟!.

لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الغضب أنه جمرة في قلب ابن أدم، وأنه من عمل الشيطان الذي هو مخلوق من نار، وتستهويه الروائح الكريهة، فهل نطفئ غضبنا باستحضار الشياطين من حولنا؟!، وهل الدخان العطن هو الذي يمنحنا الصبر استحضارًا لثواب الله عز وجل، لنملك زمام أمرنا وشتات فكرنا في تلك اللحظات العصيبة؟!.

هل التدخين حالة نكوص إلى أيام الطفولة الأولى، فنتخيل فم السيجار كأنه حلمة الثدي التي كنا نلتقمها في المهد، لنسترجع بها زمن السكينة والأمان ولذة الدفء والشبع والحنان في حجور أمهاتنا، هربا من حياتنا المشحونة بالمشاكل والصراعات، بعيدًا عن آلام الحاضر وهموم المستقبل؟!.

لقد أثبتت الكثير من التجارب النفسية على كون التدخين عادة ارتبطت بمعظم سلوكيات حياتنا، وأن مشاعر الألم والتوتر التي تنتابنا في الأيام الأولي من الإقلاع بسبب الشعور بالحرمان من تلك العادة، هذه الأعراض تسمى آلام نفس - جسمية، لا تمثل حاجتنا إلى النيكوتين فيها سوى بقدر ضئيل الأثر، إلى جانب معاناة الشعور بالحرمان، ولقد دلت على ذلك تجارب نفسية عديدة.

لقد اكتشفت مجموعة من الباحثين وجود مادة النيكوتين في دم شخص لا يدخن، يفوق الذي في دم بعض المدخنين أنفسهم، بسبب إقامته شبه المستمرة مع مجموعة منهم، وبرغم ذلك فإنه إذا فارقهم لزيارة أهله لعدة أيام، لا تتولد بداخله الرغبة في التدخين، تعويضًا لما فقده من نيكوتين!!.

وفي تجربة أخرى أعطيت أفراد عينة الاختبار سجائر لا تحتوي على نيكوتين، فكانت مرضية لهم، ومع عينة أخرى أعطيت أفراد عينة الاختبار سجائر تحتوي على نيكوتين، فكانت مرضية لهم، ومع عينة أخرى أعطيت سجائر خفضت فيها نسبة النيكوتين بقدر كبير جدًا، فلم تزد حاجتهم إلى التدخين لتعويض هذا التخفيض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت