إن مكتشف الشكل الحالي للسيجارة ليس عالمًا كبيرًا أو مخترعًا عظيمًا وإنما هو أحد المتسولين في أسبانيا، والذي كان يبحث يومًا عن بقايا الدخان الملقاة في صناديق القمامة، ولم يكن لديه غليون ليدخن به، فقام بوضع هذا الدخان داخل لفافة ورقية جعلها على الشكل المعروف للسيجارة الآن، فقام بقية المتسولين بتقليده، حتى راجت تلك الطريقة بين الكثير منهم، فتلقفتها شركات الدخان، وطورتها لتصبح في النهاية على الشكل الحالي للسيجارة، ولا عجبًا بعد ذلك ألا يجد أحدنا حرجًا من أن يتسول سيجارة خبيثة من غيره، وهو الذي يتعفف أن يسأله بعضًا من طعامه أو شرابه، ما دام مخترعها كان من كبار المتسولين!!.
? وفي رحلة عودة من إحدى البلاد العربية كنت في مركبة عامة، وقد جلس في المقعد الذي أمامي أحد الإخوة المدخنين، والذي لم ينفك أن يدخن السيجارة تلو الأخرى في نهم متواصل، وأنا أرجوه الكف محذرًا ومذكرًا بمختلف الحجج والبراهين على حرمتها وضررها، وعلى أساليب الخلاص من شرها، فكانت النهاية أن قال لي في ألم وضيق: (كفاية .... كفاية يا أستاذ، لقد جعلتني احتقر نفسي!!) ، ورغم ذلك أخذ يواصل تدخينه نافثًا دخانًا كثيفا من سيجارته، ربما ليختبئ مني ومن نفسه العاجزة وراءه!!.
? في أثناء انعقاد أحد مؤتمرات السرطان في هامبورج بألمانيا، والذي شارك فيه عشرة آلاف مندوب متخصصون في أمراض السرطان من مختلف أنحاء العالم، شوهد الكثير منهم يتسللون إلى خارج قاعة المؤتمر لإشعال سيجارة، فماذا نقول في علماء يعرفون الأضرار الجسيمة للدخان، وهم الصفوة الممثلة لبلادهم في مؤتمر علمي لمكافحته؟!.
? ومن المواقف المؤسفة والتي تدل على مدى مكر ودهاء القائمين على الدعاية لشركات الدخان، أن مسز تاتشر رئيس وزراء بريطانيا سابقًا، والتي كانت تسمى بالمرأة الحديدية، قد شنت حربًا شديدة على التدخين أثناء توليها رئاسة الوزراء، ولما خرجت من منصبها تصيدها القائمون على تلك الشركات، وسخروها لتكون داعية إلى التدخين ومروجة له!!، وكأن المرأة الحديدية قد صدأ حديدها أمام رطوبة المال، وكما يقال كل شيء وثمنه!!.
? ومن الحيل الدعائية تشويقًا للمدخنين وتغريرًا بهم، أن تتخذ إحدى شركات الدخان شعارًا لها برسم أسدين متقابلين على علبها، وهما في لحظة انقضاض تعبيرًا عن القوة والحيوية التي تمد بها هذه السيجارة المدخنين، فكأنه بتدخينه هذه السيجارة يتحصل على قوة أسدين!!، والحقيقة أنها تدل على قوة افتراسها لهم، بنهش لحومهم وتهشيم عظامهم، وسرقت أموالهم، وشركة أخرى تعلن عن سجائرها بأنها خفيفة وغنية، ولا ادري أين الخفة في سيجارة من مكوناتها القطران المسبب الأول للسرطان، وحمض الهيدرو سيانيد المستخدم في خنق المحكوم عليهم بالإعدام في الولايات المتحدة!!، فإن كانت خفيفة ففي سرقة أموالهم وإزهاق أرواحهم، أما كونها غنية فبالتأكيد لوجود أكثر من أربعة آلاف مادة سامة في كل نفس من أنفاسها!!.