الصفحة 23 من 58

صاحبنا من دورة المياه ليلحق بهم، ولأودعه معهم بعد أن كدنا ننساه، والمفاجأة التي أضحكتني كثيرًا بعد انصرافهم، أن الذي دعاه لدخول دورة المياه والمكث فيها طوال وقت الزيارة، من أجل تدخين سيجارته التي حُرم منها بيننا، لم يحتمل الصبر عنها، ففضل القعود في دورة المياه بين النجاسات في صحبتها، على صحبة أصدقائه في حجرة الضيوف!!.

سؤال: هل يحق لأي مسلم أن يؤذي زوجه وأولاده بتدخينه بينهم في بيته؟!، وهل يحق لمضيف في بيته، أن يأذن لضيفه أن يضيق على أنفاس غيره من الضيوف، بالسماح له بإشعال سيجارة بينهم، فيؤذيهم بالتدخين السلبي، الذي أكدت الأبحاث الطبية أنه السبب الأول في الإصابة بالسرطان؟!، وهل لأحدٍ الحق أن يسمح لأحدٍ بمعصية الله، ولو كان ذلك في بيته؟!.

? في أحد المعتقلات في بلد ما ظل السجانون يكيلون لهذا المعتقل مختلف صنوف التعذيب حتى يعترف بما يريدونه، ولكنه ظل صامدًا صابرا مصرًا على عدم الاعتراف، فنال إعجابهم، ثم علموا أنه يدخن فحرموه من سجائره، فلم يمض وقت طويل حتى انهارت عزيمته، واستسلم معترفًا بكل ما أرادوه ليردوا عليه سجائره، هان عليه جسمه أن يتعرض للتعذيب، وكرامته أن تهدر، ولكنه لم يحتمل الحرمان من سيجارة خبيثة، فباع قضيته وتنازل عن مبادئه، ليتمرغ في أوحال دخانها المسموم!!.

? وقف الطبيب محذرًا مريضه المصاب بالجلطة الدموية، يخيره بين الإقلاع عن التدخين فورًا، أو يستسلم لبتر ساقه حفاظًا على حياته، أو فلينتظر الموت في أيه لحظة، فأخذ المريض يفكر طويلًا في تلك الخيارات المؤلمة، محاولًا المقارنة ليختار أقلها ضررًا على نفسه، وبعد تفكير طويل قال لطبيبه:

(سيدي الطبيب قطع ساقي سيكون فوق الركبة أم تحتها؟!) ، ويا للعجب لمن فقد الوعي والإدراك في ذلة العجز وهوان الاستسلام، آثر قطع ساقه على أن يحرم من سيجارته!!.

? وليس أعجب من طبيب ربما حاصل على دكتوراه في الأمراض الصدرية أو في أمراض القلب والشرايين، أو متخصص في علاج الأورام السرطانية، ثم هو يقف محذرًا مريضه من التدخين وبين أصابعه يمسك بسيجارة مشتعلة، والمريض ينظر إلى تحذيره تارة وإلى سيجارته التي يتصاعد دخانها بينهما تارة أخرى، لا يدري لمن يستجيب لكلام طبيبه أم لفعله؟!.

? ولعل ذلك الذي دفع الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء في خبر نشر في 12/ 12/1999 م بجريدة الأهرام، أن يدعو الجمعية العمومية لنقابة الأطباء إلى عقد اجتماع لمناقشة مشروع تجريم كل طبيب يدخن، وتوجيه تهمة مخالفة آداب سلوك المهنة إليه، حيث إنه بتدخينه سيفقد مصداقيته تجاه مرضاه، وحتى لا يتخذ الجهلاء هذا الطبيب قدوة لهم، فيثبطهم عن السعي الجاد للإقلاع عن هذه العادة الذميمة، ولا نغفل أن الطبيب كأي إنسان ليس معصومًا من الضعف أمام هوى نفسه!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت