سائر العالم الإسلامي. كانت الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجا: إذ لم يكن القيام بأي عمل في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكنا قبل تحرير الضمير.
وكل مذهب الإصلاح الذي تجده في ابن باديس كان لا بد أن يصدر عن هذه الضرورة أو عن هذه المقتضيات الخاصة.
والمبدأ الأساسي القائل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11] الذي كان أول خطوة في الإصلاح، يمكن أن يعتبر من زاوية ما ترجمة لهذه الضرورة في صيغة مذهبية.
أريد أن أتكلم عن الافتتاحية التي كانت تورد في مطلع كل عدد من مجلة «الشهاب» تحت عنوان «مجالس التذكير» .
كان الشيخ يكتب هذه الافتتاحية دائما، وإنها لأثر العالم الداعية، المصلح الفذ.
ولا يفوتني أن أذكر أنه عندما كان ابن باديس يتغيب عن قسنطينة لسبب ما، كانت المجلة تظهر بدون هذه الفاتحة التي تكون حقا أم كل عدد من أعدادها. ولقد دامت هذه الفاتحة من عدد يناير (1929 م) إلى عدد يوليو من سنة (1939 م) على أبواب الحرب العالمية الثانية.
ولكي نستطيع الحكم على أهمية المذهبية والتعليمية يجب أن نحلل مجلسا من مجالسه، ويجب علينا أن لا ننسى بأن الشيخ علاوة على دوره في توجيه الرأي العام الجزائري، كان كذلك المعلم الذي يدرس في معهد تكون فيه كل قادة تعليمنا الحر، وحتى شعرائنا مثل محمد العيد آل خليفة.
بل إن الشيخ نفسه يقدم هذا التحليل في العناوين الفرعية التي كان يفتتح بها كل مجلس من مجالسه. فتحت العنوان يقدم الموضوعين الأساسيين: الآية - أو الآيات - والحديث موضوعي المجلس، تليهما بعد ذلك العناوين الفرعية الخاصة بكلا الموضوعين. وهكذا نجد على سبيل المثال في عدد يونيو (1930 م) الآية: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ