فهو: عالم ورع وفقيه في أمور الدين، مساير لمقتضيات العصر وظروف الحياة، معلم موهوب، مجدد في أساليب التعليم، وصاحب مذهب في تفسير كتاب الله، وزعيم من زعماء الفكر الإصلاحي والنضال السياسي، له آراء ومواقف في الدين والأخلاق والسياسة، ثم هو كاتب بارع وخطيب بليغ وشاعر وإن كان مقلا وصحافي ناجح.
ومن يتتبع حياته ويدرس جوانب شخصيته يلمس بوضوح هذه الجوانب المختلفة فهو يجمع إلى جانب القدرة على الكتابة البليغة الهادفة والخطابة المؤثرة وقول الشعر الوطني، الإمامة في العلم والدين، والزعامة في النضال السياسي والإصلاح الاجتماعي يزين كل ذلك سعة الاطلاع، وعمق التفكير، ومتانة في الخلق، واستقامة في السلوك وذكاء حاد، ووعي كامل بمشكلات العصر، وإدراك شامل لوضعية شعبه، وما ينبغي أن يكون عليه إذ أخذ بأسباب الحياة - كان رحمه الله - قائد ركب ومحرر شعب، لقد صحح مفاهيم الحياة الإسلامية التي اهتزت بعنف أمام ضربات الاستعمار المتتالية، في وقت ساد فيه الجهل، وعم فيه الجمود، وانتشرت الخرافة وانحطت كرامة الإنسان العربي، وأهدرت قيمة المسلم، وزاد ابن باديس هذه المفاهيم تحديدا ووضوحا بسلوكه المثالي، وتفكيره المتزن والمتوازن، وبحكمته وحنكته مع التوفيق الإلهي الذي كان يسند حركته، فعاد النور الهادي من جديد يضيء الطريق للسالكين خلف القائد الملهم.
وهكذا الأغنياء في قوة الودعاء ووداعة الأقوياء، فكان الرجل الذي أجمع الجميع على حبه وتقديره، وحتى الأعداء الذين كانوا يحاربونه، كانوا مع ذلك يجلونه ويهابونه.
يمكننا القول إن الفلسفة التي نستطيع أن ننسبها إلى ابن باديس ليست الفلسفة التي يجنح فيها العقل إلى التصورات المجردة، والتأملات الحاملة، والمسائل النظرية البحتة، التي لا تتصل بواقع مجتمعه ولا تسهم في حل مشكلا ت واقع هدا المجتمع، وإنما الفلسفة التي نستطيع أن ننسبها إليه، ونجعلها جانبا من تفكيره هي الفلسفة العملية، التي يستطيع أن يترجمها الإنسان إلى واقع الحياة، ويعيش حقائقه؛ الفلسفة التي يتطابق فيها القول مع الفعل، والاعتقاد مع السلوك، ويتكامل فيها التصور النظري مع الممارسات العملية،