النبوة فيهم - أن يقوموا بما أرشدت إليه هذه الآية [1] الكريمة فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع والشورى في كل ما يهمهم من أمر دينهم».
وهكذا كان رحمه الله يمهد لما صمم عليه من تأسيس جمعية تلم شمل العلماء والدعاة الصادقين، ولا تقتصر على فئة دون فئة ولا على إقليم دون إقليم.
1 -مرحلة الشعور بالخطر الجاثم على صدور أهل الجزائر والتفكير بالحلول، وأسباب الداء وكيفية الدواء، وهذه المرحلة كانت بوادرها في المدينة المنورة عام (1913 م) عندما التقى الشيخ ابن باديس مع رفيق دربه وجهاده الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان مهاجرًا إلى الحجاز للدراسة والاطلاع، وقد وصف الإبراهيمي هذه المرحلة أدق وصف فقال: «كان من تدابير الأقدار الإلهية للجزائر، ومن مخبآت الغيوب لها أن يرد عليَّ بعد استقراري بالمدينة المنورة سنة وبضعة أشهر أخي ورفيقي في الجهاد بعد ذلك الشيخ عبد الحميد بن باديس أعلم علماء الشمال الأفريقي-ولا أغالي - وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية للجزائر.
كنا نؤدي صلاة فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي ونخرج إلى منزلي فنسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح.
ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها الشيخ بالمدينة، كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتنا، وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة.
وأشهد الله على أن تلك الليالي من عام (1913) ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا عام (1931 م) ».
(1) كان رحمه الله يفسر قوله تعالى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62] .