يقول الشيخ البشير الإبراهيمي واصفًا هذه الحالة: «كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا بالمدينة المنورة (1913 م) أن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، وبعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه ويتعرقان لحمه ويفسدان عليه دينه ودنياه:
1 -استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي يعتمد على الحديد والنار.
2 -استعمار روحاني يمثله مشائخ الطرق المؤثرون في الشعب، المتجرون بالدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضي وطواعية.
والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، ومظهرهما معًا تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات، وتفقيرها لئلا تسعى بالمال على الثورة.
أرادت فرنسا شيئًا وأراد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا سهل أسبابه، وكان من كرمه سبحانه وفضله على أهل الجزائر أن يسر بروز رجال أعلام استفادوا من تجارب الذين سبقوهم، ودرسوا مشكلات أمتهم دراسة دقيقة، وقرروا العمل الجاد لإخراج المسلمين في الجزائر مما هم فيه إلى حالة ترضى الله سبحانه وتعالى، وكان فارس هذه الحلبة والبارز في ميدانها الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، فبعد رجوعه إلى الجزائر من رحلته العلمية إلى تونس ومصر، ثم الحجاز والشام كانت فكرة الإصلاح والعمل المنظم قد اختمرت في ذهنه ولم يبق إلا التمهيد لها، فكان يبث هذه المفاهيم لكل من يشهد حلقاته العلمية في التفسير، يقول رحمه الله: «إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوة، وإنما تكون لهم قوة إذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتآزر وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة» .
ثم يلتفت رحمه الله إلى العلماء والقادة فيقول: «ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلا بإهمالهم أمر الاجتماع ونظامه، إما باستبداد أئمتهم وقادتهم، وإما بانتثار جماعتهم بضعف روح الدين فيهم، فعلى أهل العلم - وهم المسئولون عن المسلمين بمالهم من إرث