الفلسفة التي تبحث في الحقائق التي يعيشها الإنسان، ويكون منطلقها واقع المجتمع، وأساسها روح الإسلام وأصوله، وغايتها تحرير المجتمع من كل أشكال الظلم والتخلف والتسيب، والتي تستهدف في مناهجها إعادة تشكيل الشخصية الجزائرية، التي أصبها الوهم، نتيجة ظروف الانحطاط، وسياسة الاستعمار.
إن الفلسفة التي تطبع تفكير ابن باديس فلسفة واقعية تنبع من تفكير إنسان واع، مرتبط بوطنه، وملتزم بحقائق دينه، مستوعب أسباب معاناة بلاده، متطلع إلى معايشة عصره، فلسفة تلح على تمتين الصلة بين الفكر والعمل، والمزواجة بين النظرية والتطبيق، هذه بعض سمات التفكير الباديسي، إنها سمات تمتزج فيها الجوانب الدينية والسياسية، والأخلاقية والعلمية والوجدانية والعقلية، ولكن السمة البارزة في هذا التفكير هي السمة الدينية المطعمة بالنزعة العقلية، باعتبار العقل «ميزة الإنسان وأداة عمله» كما يقول ابن باديس، والعقل من ناحية أخرى هو القوى الروحية التي بها يكون التفكير والنظر.
وتجدر الإشارة إلى الطابع المميز لتفكير ابن باديس الذي تجسده آراؤه وأفكاره ومواقفه التي صار عليها في حياته، وبن على أساسها مشاريعه الإصلاحية، وشكل منها منهجا اعتمده في معالجة أوضاع مجتمعه وبرنامجه التعليمي، وهي كما نرى فلسفة عملية أكثر منها نظرية، وتعالج الأمور التي استحوذت على تفكير الإنسان بمنطق الواقعية، لأنها فلسفة تستمد روحها من روح الإسلام وأصوله، وتجعل هدفها تجسيد هذه الأصول وتقريبها من الناس، والاستفادة منها، وتصحيح المفاهيم، والاعتقادات، وتهذيب السلوك الفردي والاجتماعي، ودفع الناس إلى الإسهام في تغيير واقعهم، وتحسين ظروفهم، ليكونوا أهلا للاستخلاف الذي استخلفه الله في أرضه.
إن المتتبع لأراء ابن باديس في الدين والسياسة والأخلاق والعلم والتربية، وفي القضايا الوطنية والثقافية التي ترك لنا فيها آثار مكتوبة يجد أنها آراء نابعة من فكر إنسان ملتزم بحقائق دينه وتاريخ أمته، ونهج سلفه، ومتفاعل مع واقع مجتمعه وحقائق عصره، ومتفتح على أفكار غيره، حريص على بعث يقظة فكرية وسياسية في نفوس الأجيال، تعيد للأمة