عزتها وللعروبة والإسلام مجدهما، وللوطن كرامته وحريته، وتبعث في الشباب روح العزم على التغيير وإرادة البناء لتخليص الوطن من المحن التي أصابته.
إن القراءة المتمعنة في هذه الآراء تقودنا إلى استخلاص السمات المميزة للتفكير الباديسي، تلك السمات التي تبين لنا أن تفكير ابن باديس تفكير عقلاني متفتح من جهة، وسلفي ملتزم من جهة ثانية، والسلفية عنده لا تعني تقليدا أعمى للأوائل ولا تقديسا للماضي من حيث هو ماض، وإنما تعني اتباعا للنهج الذي رسمه الإسلام، وسار عليه رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم ... النهج الذي اتبعه الأئمة المجتهدون الذين فهموا حقائق الإسلام، واستلهموها في اجتهاداتهم وأحكامهم، وفي معالجة الأمور التي طرأت على مجتمعاتهم.
السلفية عنده لا ترفض معايشة العصر، والتفتح على علومه، والاستفادة من كل ما يمكن المجتمع من مسايرة الركب الحضاري، كما لا ترفض الرجوع إلى العقل في معالجة الأمور دون أن يكون في ذلك ما يمس جوهر العقيدة و يتضارب مع حقائق الإسلام.
هذا التزاوج في تفكير ابن باديس بين التفتح العقلي على الحياة المعاصرة والالتزام بالأصول الدينية الصحيحة هو تزاوج مستمد من تفكير إسلامي كما أسلفنا.
لأن التفكير الإسلامي الأصيل يقوم على التوازن والتكامل بين الجوانب العقلية التي وظيفتها التدبر والتأمل والاستدلال، وبين الجوانب الروحية الوجدانية التي وظيفتها الإيمان والامتثال والالتزام، إذ البحث العقلي واجب الإنسان المسلم، وقد شرح ابن رشد هذا التواؤم بين العقل والدين، أو بين الحكمة والشريعة في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»
وأوضح أن ما يؤدي إليه البحث العقلي لا يخالف ما قرره الشرع يقول: «إذا كانت الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له» وكل ما في الأمر أنه يجب على المفكر الذي يتصدى إلى البحث في العقائد وأمور الدين .. أن يستوفي شروط البحث من ذكاء الفطرة، والعدالة الشرعية. وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: «المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح» .