هذا هو النهج الذي استلهمه ابن باديس في بناء اتجاهه الفلسفي، ومن هنا نتبين أن تفكير ابن باديس -كما يصفه محمد الميلي- كان تفكيرا أصيلا، يجمع إلى العقلانية المتحررة الإيمان بالقيم الإسلامية.
وقد يبدو هذا الاتجاه غريبا بالنظر إلى ثقافته التقليدية وقراءاته الدينية، والبيئة العائلية المحافظة التي نشأ فيها، لولا أن هناك عوامل أسهمت في بروز هذا الاتجاه، وقد أشار الأستاذ محمد الميلي إلى بعضها وهي كما يلي:
1 -معايشة ابن باديس الأوساط المحتكة بالتيار الثقافي الغربي، مما جعله يلاحظ عن كثب العوامل التي كانت سببا في تفوق الغرب وتقدمه، ولعل هذا هو الذي جعله لا يتردد في الدعوة إلى الأخذ بأسباب التقدم وطلب المعرفة بأية لغة، ومن أي مصدر.
2 -التأثير المزدوج في ثقافته والذي يرجع إلى دراسته في تونس: تأثير التيار العصري التاريخي ممثلا في الشيخ «البشير صفر» ، أحد مشايخه، وتأثير التيار الإسلامي التقليدي الإصلاحي ممثلا في الشيخ «محمد النخلي» ، الذي كان له الفضل في توجيه عقله فيما يقرأ، وزوال الغشاوة التي كانت على ذهنه من التقليد.
3 -الآثار التي تركتها أفكار محمد عبده وشكيب أرسلان، وغيرهم ممن كان لهم فضل في بعث اليقظة الفكرية في الشرق العربي، التي انتقلت آثارها بشكل غير مباشر إلى المغرب العربي، وأثرت في علمائه، وفي اتجاهات الإصلاح عندنا.
ابن باديس الفقيه المجتهد:
مما عرف به ابن باديس أنه فقيه أصولي مجتهد، جامع لشروط الإمامة والفتوى، عالم بمذاهب أهل السنة والجماعة، عارف بمقتضيات الحياة، متطلع في المذهب المالكي، وفي معرفة أحوال مجتمعه، إذ لم يكن فقيها تقليديا يكتفي بالتعامل مع ظاهر النصوص، إنما كان يعمل فكره ويجتهد في تحليل القضايا التي تعرض لحياة الناس وفق الظروف التي يعيشونها.
وله عدة آراء اجتهادية في الدين تتمثل في الآتي:
أولا: رأيه في تجنس المسلم بالجنسية الفرنسية: تنص الفتوى بتكفير كل مسلم جزائري أو تونسي أو مغربي يتنازل عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامية باختياره، وبتجنس