فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 55

المغرب إلا نظر فيها واستخلص منها ما ينفع بني جنسه ووطنه ودعوته، وهو الذكي الفطن الفاهم لتيارات سياسة الغرب في الشرق، وما تحمل في أطوائها من زاوية دعوته ومن زاوية أمر العرب والمسلمين، ذلك إلى خبرة عميقة بالسياسة الاستعمارية في الجزائر يتعقب أخطاءها عن علم وبصيرة، ويفند مزاعم المستعمرين ما اتصل منها بالإسلام أم باللغة العربية أو بتفوق العنصر الأوروبي على العنصر العربي الإسلامي»

-المفكر الإسلامي «مالك بن نبي» كتب يقول: إن شخصية الشيخ تجمع في طياتها جوانب بلغت من التنوع والغنى مبلغا يجعل من قدرة الباحث - دوما - أن يتطرق إلى دراستها من زاوية تحرر الفكر من الظروف العرضية النسبية.

لقد كان ابن باديس مناظرا مفحما، ومربيا بناءا، ومؤمنا متحمسا، ومجتهدا يرجع إلى أصول الأيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقا غرب عن الأنظار إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي. وهو كذلك وطني مؤمن تصدى عام (1936 م) لزعيم سياسي نشر مقالا عنوانه: «أنا فرنسا» فرد عليه ردا حاميا قويا. والشعور الوطني المتدفق يغدو لديه فيضا شعريا عندما ينظم قصائده التي قدر لها أن تعيد إلى الشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الإسلامي في فترة كان أطفال الجزائر يدرسون ويتعلمون تاريخ «أجدادنا الغاليين» .

وفوق ذلك فقد كان ابن باديس مصلحا اقترن اسمه وأثره بتاريخ هذا البلد في مرحلة سياسية كانت تعده «للثورة» وفي هذه الكلمة من المعاني أكثر مما تعودنا أن نفهم.

إنه المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بأفريقيا الشمالية، فقد كان المغرب يعيش على صورة ما حياة فترة العصر الذي وضعت له حدا نهائيا دعوى مهدي الأطلس المغربي وسيف عبد المؤمن.

نحن نعلم أن عصر المرابطين شهد انزلاق الضمير الإسلامي نحو النزعة الفقهية. أما ابن باديس فقد جاء في فترة جددت فيها النزعة الصوفية (المرابطية والطرقية) دورة المرابطين. وهنا موضع الخطورة، ذلك أن الحلقة لم تستأنف بالفقه والرباط، بل بالتميمة والزاوية.

ولم يستطع المصلح الجزائري أن يطمح إلى تأسيس امبراطورية تحرر الضمير. لقد تغير الزمان، فالإستعمار والقابلية للاستعمار غير كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت