متصل الحلقات وإنه خاضع للظروف متأثرًا بالبيئة ذلك التأثر السلبي وإنه كلام محمد 8 والدليل إنه صرح بذلك كما أسلفت.
فهذا الكلام باطل، واضح البطلان لا بد علينا أن نوضح بطلانه.
فإنّ وتيرة الكلام الإلهي في القرآن الكريم ما زالت على نسقٍ معروف وعلى كفتين متوازنتين في حملهن على الترغيب أو الترهيب و الطول والقصر إلى آخر الأمور.
فلو وقفنا مثلًا عند قول الله شعبان: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] وقال الله فيها أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .
وقال فيها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278 - 279] ، وفي آيات أخرى مكية قال شعبان: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33] ، وقال تعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الشورى: 36] .
وقد حملت السور المدينة كذلك تقريعًا عنيفًا عند المناسبة مثل قول الله تعالى في شأن المشركين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] .
وقول الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] إلى ثلاث عشرة آية مليئة بالتوبيخ والتعنيف لهؤلاء الذين ينفثون سمومهم ويفسدون المجتمع بسلاح خطير ذي حدين هو سلاح النفاق والذبذبة وغير ذلك كثير [1] .
أما ما قد يدل على أن المراد من كلامهم الإعلان بانقطاع الصلة بين المكي والمدني والتعارض بين أسلوبهما هو زعم ساقط مبني على اعتبارات كاذبة أثبتنا بطلانها، وأول دليل
(1) ينظر مناهل العرفان، (1/ 198 وما بعدها) .