على ذلك أن أساطين البلاغة من أعداء الإسلام في مكة نفسها أيام نزول القرآن لم يستطيعوا أن يتهموا أساليب التنزيل بمثل هذا الاتهام ولا كذبًا، لأنهم كانوا أعقل من ملاحدة اليوم، كيف وهذا الوليد بن المغيرة [1] يقول للملأ من قريش: (( والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإنَّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلوا وما يعلى عليه ) ) [2] .
ولما قالت قريش عندئذٍ صبأ والله الوليد واحتالوا عليه أن يطعن في القرآن لم يجد إلا أن يقول: (( إنَّ هذا إلا سحر يؤثر ) )ولم يستطع أن يرمي القرآن بالتهافت والتخاذل وانقطاع الصلة بين أجزاءه وانحطاط شيء من أساليبه والله أعلم بما يبيتون.
وإذا بطل هذا بطل زعمهم من تأثر القرآن بالوسط وما بنوه على أنه من كلام محمد لا كلام رب العزة، ثم إنها اتهامات سخيفة لا تستحق الرد ما دام إعجاز القرآن قائمًا يتحدى كل جيل وقبيل ويفحم كل معارض ومكابر [3] .
فهل يبقى لأحدٍ بقية من تلبيسٍ أو إدعاء ما يوهم بربانية القرآن وحقيقة مصدره.
(1) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم لقرشي المخزومي، من أشراف قريش في الجاهلية، وهو مكي والد الصحابي الجليل خالد بن الوليد مات بعد الهجرة بثلاثة أشهر كافرًا، ينظر (الأعلام) للزركلي (8/ 122) .
(2) الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه (9/ 75) برقم 3831، باب تفسير سورة المدثر وقال هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه رواه الإمام ابن عباس.
(3) مناهل العرفان (1/ 208 - 209) .