45] أي: يصدُّون النَّاس عن اتِّباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياءُ، ويبغون أن تكون السبيل مُعوَجَّةً غير مستقيمة حتى لا يتَّبعها أحدٌ [1] ، أو يحاولون تغيير شرع وتبديله عمَّا جعله الله له من استقامة [2] .
ومن صور هذا الظُّلم أيضًا: صدُّ المؤمنين عن بيوت الله والسعي في خرابها، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] أي: أيُّ امرئ أشدُّ تعدِّيًا وجراءةً على الله، وخلافًا لأمره، من امرئ منعَ مساجدَ الله أن يُعبَد الله فيها [3] ، {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} : بهدمها وتعطيلها، أو بتكديرها بالتَّعصُّبات وغلبة الهوى، ومنع أهلها بتهييج الفتن اللَّازمة لتجاذب قوى النَّفس وداعي الشيطان والوهم [4] .
قال القرطبي: «والمراد من {منع} من كلِّ مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأنَّ اللَّفظ عامٌّ ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف» [5] .
8 ـ موالاة الكافرين: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] ، وقال: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 9] ، والولاية والمُوَالاة في اللُّغة: ضِدُّ المُعَاداة، والوِلاية: بكسر الواو وفتحها وضمِّها تعني: النُّصرة [6] ، وعليه فالولاية التي تُخْرج صاحبها عن وصف الإيمان في اصطلاح أهل العلم: هي نصرة أهلِ الكُفر، والرِّضا بدينهم ومعتقدهم، واتخاذهم أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين [7] ، قال الطَّبري: «إنَّ الله ـ تعالى ذكرُه ـ نهَىَ المؤمنين جميعًا أن يتَّخِذُوا اليهود والنَّصَارى أنصارًا وحُلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرهم، وأخبر أنَّه من اتَّخَذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنَّه منهم في التَّحَزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأنَّ الله ورسوله منه بريئان» [8] ، وقال ابنُ عَطيَّة: «نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتِّخَاذ اليهود والنَّصارى أولياءَ في النُّصرة والخُلطة المُؤدِّية إلى الامتزاج والمُعَاضدة، وحُكمُ هذه الآية باق، وكلُّ من أكثر مُخَالطةَ هذين الصنفين فله حَظُّه من
(1) تفسير ابن كثير 3: 417.
(2) انظر: تفسير الطبري 12: 448.
(3) تفسير الطبري 2: 519.
(4) انظر: روح المعاني 1: 364 ـ 365.
(5) الجامع لأحكام القرآن 2: 77.
(6) انظر: مختار الصحاح ص 740؛ لسان العرب 15: 405؛ المصباح المنير 2: 672.
(7) وهذه خلاصة أقوال المفسرين.
(8) تفسير الطبري 10: 398.