فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: 103] (فظلموا بها) أي: كفروا بآياتنا، فأجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد، أو فظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدّوهم عنها، وآذوا من آمن بها [1] ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فلمَّا كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ثمَّ إنَّهم كفروا بها، ووضعوا الإنكار في موضع الإقرار، والكفر في موضع الإيمان، كان ذلك ظُلمًا منهم على تلك الآيات، وإفسادًا لدلالتها وما سِيقت له [2] .
فمن أشدِّ النَّاس كذبًا واعتداءً الظالمونَ، ومن أشدِّ صور كذبهم واعتدائهم: اختلاقهم على الله قِيلَ البَاطل، وزعمهم أنَّ لله شريكًا من خلقه، وإلهًا يُعبَد من دونه، وتكذيبهم بالآيات والحجج والبراهين التي جاء بها المرسلون عليهم السلام، وجحدهم بها [3] ، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .
فالظالمون من النَّاس مفرِّطون في الأمانة منتقصون لها [4] ، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
والأمانة هنا هي حقائق الإيمان في الباطن، وشريعة الله تعالى بأنواعها كلِّها في الظَّاهر، فمن حمَلَ الأمانة وقام بها ورعاها حقَّ رعايتها خرج من الظُّلم والجهل، وكان صالحًا أمينًا عدولًا، ومن خانها ولم يقم بها كان ظلومًا جهولًا، كلٌّ على قدر خيانته وظُلمه، فالكفَّار خَانوا أصل الأمانة، وهي الإيمان فكفروا، ومن دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطاعة [5] .
فبعد أن ذكر الله تعالى مَا أعدَّ للظَّالمين في النَّار من العذاب المهين، وذلك قبل استقرارهم في الجحيم، أخبرنا بسوء طعامهم وشرابهم فيها، فقال تعالى: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ
(1) انظر: تفسير الكشاف 2: 128.
(2) انظر: مفاتيح الغيب 14: 155. والإفساد: هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أن يكون عليه، وعن كونه منتفعًا به. انظر: الكليات لأبي البقاء ص 220.
(3) انظر: تفسير الطبري 11: 296.
(4) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص 330.
(5) انظر: البحر المديد 6: 92 ـ 93.