الصفحة 15 من 30

فالظالمون مع استمرارهم على ما أُنعِموا فيه من شهوات، واهتمامهم بتحصيلها، هم مجرمون لانغماسهم بالآثام، أو لتركهم الشَّكر على النِّعم، أو أن اتباعهم لشهواتهم كان إجرامًا بحدِّ ذاته، أو أنَّ لهم جرائمَ أعظم ممَّا ذُكر في سياق النَّص [1] ، قال تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 40 - 41] فبعد أن ذكر الله تعالى فعلهم وعقوبتهم ذيَّل الآية الأولى بقوله تعالى: {نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ} ليُؤذن أنَّ الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأنَّ كلَّ من أجرم عُوقِب، وقد كرَّره فقال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ} لأنّ كلّ مجرم ظالم لنفسه [2] .

قال البيضاوي: «عبَّر عنهم بالمجرمين تارةً وبالظالمين أخرى إشعارًا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة، وذكر الجُرم مع الحِرمان من الجنَّة، والظُّلم مع التعذيب بالنار تنبيهًا على أنَّه أعظم الإجرام» [3] .

ومثله قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] فظلمهم إنما كان بالتكذيب بما جاءتهم رسلهم به من حِجج ومعجزات شاهدة على صدقهم، إلَّا أنَّهم لم يؤمنوا، وأصرُّوا على كفرهم وتكذيبهم، فأهلكهم الله تعالى، ومثل هذه العقوبة هي لِكلِّ مجرم، وهو وعيد لأهل مكَّة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم [4] .

بعد أن قصَّ الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما آل إليه أمر أقوامهم، أتبع ذلك بقصص موسى وفرعون وبني إسرائيل، إذ كانت معجزاته من أعظم المعجزات، وأمته من أكثر الأمم تكذيبًا وتعنتًا واقتراحًا وجهلًا [5] ، فقال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى

(1) انظر: تفسير الكشاف 2: 413، تفسير البيضاوي 3: 268، تفسير ابن كثير 4: 361، تفسير روح المعاني 12: 162.

(2) انظر: تفسير الكشاف 2: 99.

(3) تفسير البيضاوي 3: 20.

(4) تفسير الكشاف 2: 318.

(5) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 4: 355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت