لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس: 13] ، وقال عزَّ من قائل: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 4 - 5] ، وقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء: 11 - 15] ، وقال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 100 - 102] .
ومن سُنن الله تعالى في إهلاك الظالمين: الإمهال والاستدراج، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى وكرمه وحلمه على عباده، فلا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمهلهم ويملي لهم، ويؤخّرهم إلى أجل عَيّنه في علمه لحكمته، إلَّا أنَّه عزَّ وجلَّ إذا أخذ الظالمين لا يفردهم بالعذاب والنَّكال دون سائر من يحيون معهم [1] ، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] .
قال ابن تيمية: «فإنَّ النَّاس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العَدْل كريمة، ولهذا يُروى:"الله ينصر الدَّولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدَّولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"» [2] .
قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] أي: ولو ترى يا محمد، حين يغمر الموتُ بسكراته وشدائده هؤلاء الظالمين العَادلين بربهم الآلهةَ والأندادَ، والقائلين:"ما أنزل الله على بشر من شيء"، والمفترين على الله كذبًا، الزَّاعمين أنّ الله أوحى إليه ولم يوحَ إليه شيء، والقائلين:"سأنزل مثل ما أنزل الله"، فتعاينهم وقد غشيتهم سكراتُ الموت، ونزل بهم أمرُ الله، وحان فناء آجالهم، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم [3] ، والأمر هنا إنما هو للإهانة والإرْهاق، إغلاظًا في قبض أرواحهم [4] .
(1) انظر: مفاتيح الغيب 20: 47، التحرير والتنوير 14: 229.
(2) مجموع الفتاوى 28: 63.
(3) انظر: تفسير الطبري 11: 537.
(4) انظر: التحرير والتنوير 7: 378.