عبادتها ضلالُهم، وذهابهم عن سبيل الحقِّ، فهم في جور عن الحقّ، وذهاب عن الاستقامة مبين، يَبِيْنُ لكلِّ من تأمَّله، ونظر فيه، وفكَّر فيه بعقله [1] ، فالخالق الحقُّ إنما هو الله، الذي له الخلق والأمر، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعتُ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «قال اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [2] ، أراد بقوله: «يخلقُ كَخَلقي» أي: «يُصَوِّر صُورةً تُشبه خلقي، فَسمَّى فعلَ الإنسانِ في تصوير مثالها خلقًا له؛ توبيخًا له على تشبُّهِه بالله تعالى فيما صَوَّر وأحكم وأتقن على غير مثال احتذاه، ولا من شيء قديم ابتدأه، بل أنشأ من معدوم، وابتدع من غير معلوم، وأنتم صورتم من خشب موجود، وحجر غير مفقود، على شبه معهود، مُضاهين له، ومُوْهِمين الأغمار أنَّكم خلقتم كخلقه، فاخلقوا أقلَّ مخلوقاته وأحقرها، الذَّرَّةَ المتغذية في أدق من الشعر، وأنفذ منكم نفذًا في نحت الحجر فتتخذه مسكنًا، وتدَّخِر فيه قوتها نظرًا في معايشها، أو اخلقوا حبَّة من هذِه الأقوات التي خلقها الله تعالى لعباده، ثم يخرج منها زرعًا لا يشبهها نباته، ثم يُطلع منها بقدرته من جنسها بعد أن أعدم شخصها، عددًا من غير زرع نباتها الأخضر، قدرةً بالغة لمعتبر، وإعجازًا لجميع البشر» [3] ، وقد نسب الله تعالى الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء أو التَّشبيه في الصُّورة فقط، وقوله: «فليخلقوا ذرة أو شعيرة» أمر بمعنى التَّعجيز، وهو على سبيل الترقي في الحقارة، أو التَّنزُّل في الإلزام [4] .
1 ـ جَوْرُ الحُكَّامِ وبَغْيُ الأقوياء: فكلٌّ من صِفتي القُوّة والاستكبار تدفع أهلَ الحُكم والأقوياءَ من النَّاس إلى ظُلم الضُّعفاء واستضعافهم، والاستطالةِ عليهم، والتَّعدِّي على حقوقهم، قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 42] ، فالحَرج والعنت على أولئك الذين يبدؤون النَّاس بالظُّلم ويتعدَّون عليهم، ويتجاوزون ما حدَّه الله لهم، لا على من انتصر ممَّن ظَلَمَه، فأخذ منه حَقَّه، وهؤلاء الذين يظلمون النَّاس، ويبغون في الأرض بغير الحقِّ، لهم يوم القيامة عذابٌ مؤلم وموجع، يتناسب مع جريرتهم وجريمتهم [5] .
(1) انظر: تفسير الطبري 20: 134.
(2) أخرجه البخاري برقم 7120، ومسلم برقم 2111.
(3) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن 33: 579.
(4) انظر: فتح الباري لابن حجر 13: 534.
(5) انظر: تفسير الطبري 21: 550، وتفسير ابن كثير 7: 213.