وربَّما دلَّ جَمْع الغَمَرات على المبالغة في تهويل ما يصيب الظَّالمين عند النَّزع، وأنّها أصناف من الشّدائد لا صنفٌ واحد، وذلك لِتعدُّد أشكالها وأحوالها [1] .
وفي أهوال هذا العذاب المُهين وسوء اللقاء يتمنَّى الظالمون من أهل الكفر على ربِّهم أن يؤخِّر عنهم العذاب، ويردَّهم إلى الدُّنيا ليستدركوا ما فاتهم، ولكن هيهات، قال تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال} [إبراهيم: 44 - 45] فقد كانوا يُقسمون كذبًا بأنَّهم باقون في الدُّنيا لا يموتون، ولا ينتقلون إلى دار أخرى، وقد كان لهم في مساكنهم التي ورثُوها عمَّن كان قبلهم من المهلكين عظةً وعبرة، فقد أهلك اللهُ أولئك بكفرهم وظلمهم، وهؤلاء مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، ومن شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر، فإذا لم يعتبر كان مستوجبًا للذمِّ والتَّقريع [2] .
فقد أخبر الله تعالى عن حال الظالمين يوم يقوم النَّاس لربِّ العالمين، فقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27 - 28] فالظَّالم لنفسه، المشرك بربِّه في ذلك اليوم يعضُّ على يديه ندمًا وأسفًا وحسرةً على ما فرَّط في جنب الله، وأوبق نفسه بالكُفر به في طاعة خليله الذي صدَّه عن سبيل ربِّه، يقول: يا ليتني اتخذت في الدُّنيا مع الرَّسُول سبيلًا، يعني طريقًا إلى النَّجاة، أو طريقًا واحدًا، وهو طريق الحقّ، ولم تتشعب بي طرقُ الضَّلالة، لأنجوَ من عذاب الله، ولكن هيهات أن ينفعه النَّدمُ والتَّمني [3] .
قال ابن كثير: «وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي مُعَيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامَّة في كلِّ ظالم، فكلُّ ظالمٍ يندم يوم القيامة غايةَ النَّدم، ويَعَضُّ على يديه قائلًا: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} يعني: مَن صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق الضَّلالة، وسواء في ذلك أميَّةُ بنُ خَلَفٍ، أو أخوه أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ، أو غيرهما» [4] .
مضت سُنَّةُ الله تعالى في الإمهال أن يمليَ للظَّالمين في الدُّنيا ولا يعاجلهم بالعقوبة على جرائمهم فيها، إلَّا أنهم سيلقون حتمًا جزاء ظلمهم، وسوء المنقلب ينتظرهم لا محالة، قال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
(1) انظر: التحرير والتنوير 7: 377.
(2) انظر: تفسير الرازي 19: 113، تفسير البيضاوي 3: 354 ـ 355.
(3) انظر: تفسير الطبري 19: 262، تفسير البيضاوي 4: 215، تفسير ابن كثير 6: 108.
(4) تفسير ابن كثير 6: 108.