قال ابن عطيّة: « {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ} قيل: هو خطاب للكفار، وقيل للمؤمنين، والظُّلم هنا الشرك قاله الحسن وابن جريج، وقد يحتمل أن يعمَّ غيره من المعاصي» [1] .
ووصف عذاب الظَّلَمة بالدَّوام والخلود، فقال تعالى: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52] أي: تقول لهم خزنة جهنم: تجرّعوا أيها الظَّالمون عذابَ الله الدائم لكم أبدًا، الذي لا فناء له ولا زوال، هل تثابون إلا بما كنتم تعملون في حياتكم قبل مماتكم من الكفر والمعاصي [2] .
وهذا العذاب الخالد الذي يذوقه الظَّالمون إنَّما يكون بصحبة أشياعهم وأشباههم وقرنائهم في الشِّرك والكفر، وكذلك نساؤهم الموَافِقَات لهم في كفرهم، قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22 - 23] أي: اجمعوا الذين ظلموا ... ، وهو أمر الله تعالى للملائكة عليهم السلام [3] .
وفي هذا المشهد الرهيب، والموقف العصيب، يتمنَّى الظَّالمون لو أنَّ لهم جميع ما في الدُّنيا من الأموال والذخائر، وأضعافه معه، ليجعلوه فدية لأنفسهم من هذا العذاب الشديد، ولكن هيهات هيهات، فقد حقَّ عليهم القول، وحاق بهم العذاب، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: 47 - 48] فقد ظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه، الذي أعدّه لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنَّه أعدّه لهم، ولم يكن في ظنِّهم وحسبانهم، ولم يُحدِّثوا به أنفسهم، وهذا غاية في الوعيد، لا غاية وراءها، {وبدا لهم سيئاتُ ما كسبوا} أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم التي كسبوها، أو سيئات كسبهم حين تُعرض عليهم صحائفُهم، وكانت خافية عليهم، {وحاقَ بهم} أي: نزل بهم وأحاط، {ما كانوا به يستهزئون} أي: جزاء هزئهم بالإسلام، ومَن جاء به، ومَن تبعه [4] .
وهذا الظلم هو ظلم المعصية لا ظلم الكفر، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صِنفان من أمَّتي لا تنالهما شفاعتي: سلطانٌ ظَلُوم غَشُوم، وغَال في الدِّين، يشهد عليهم فيتبرأ
(1) المحرر الوجيز 4: 249.
(2) انظر: تفسير الطبري 15: 102، تفسير البيضاوي 3: 202، تفسير أبي حيان 5: 166.
(3) انظر: تفسير الطبري 21: 27، تفسير القرطبي 15: 73، تفسير البيضاوي 5: 9.
(4) انظر: تفسير الطبري 21: 302، تفسير ابن عجيبة 6: 408.