أولًا: الحذر من الرُّكُون إلى الظَّالمين:
فقد حذَّر الله تعالى المؤمنين من الرُّكُون إلى أهل الظُّلم عامَّة [1] ، فقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] أي: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، والرُّكُون إلى الشيء: الميل اليسير إليه، أو السُّكون إليه بالأنس والمحبَّة والرِّضا، ومن صور الركون إلى الظالمين: مجالستهم ومؤانستهم، والإنصات إليهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير قيام بتذكيرهم ووعظهم، ومداهنتهم، والتَّزيي بزيِّهم، ثمَّ قال تعالى: {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} أي: تحرقُكُم بركونكم إليهم ومخالطتهم ومصاحبتهم، وممالأتهم على إعراضهم، وموافقتهم في أمورهم [2] .
قال البيضاوي: «وإذا كان الركون إلى من وُجِدَ منه ما يُسَمَّى ظُلمًا كذلك، فمَا ظنُّكَ بالركون إلى الظَّالمين الموسومين بالظُّلم، ثمَّ بالميل إليهم كلَّ الميل، ثمَّ بالظُّلم نفسه والانهماك فيه» [3] .
أمَّا إن كانت صحبتُهم عن ضرورة وتقية واضطرار، فإنَّها مستثناة من النَّهي. والله أعلم [4] .
ثانيًا: الأخذ على يد الظالم، وردعه عن ظلمه:
فقد أمر اللهُ المؤمنين بألَّا يُقِرُّوا الظُّلم بين أظهرهم فيعمَّهم العذاب، فقال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] أي: اتَّقوا ذَنبًا يعمُّكم أثرُه، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتَّكاسل في الجهاد [5] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين ألَّا يُقرُّوا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمَّهم الله بالعذاب» [6] .
قال ابن عاشور: «وحاصل معنى الفتنة يرجع إلى اضطراب الآراء، واختلال السير، وحلول الخوف والحذر في نفوس الناس، فعلى عقلاء الأقوام وأصحاب الأحلام منهم إذا رأوا دبيب الفساد في عامَّتهم أن يُبَادِرُوا للسَّعي إلى بيان ما حَلَّ بالناس من الضلال في نفوسهم، وأن يكشفوا لهم ماهيته وشبهته وعواقبه، وأن يمنعوهم
(1) سواء كانوا ظلمهم ظلم كفر أو معصية. انظر: الجامع لأحكام القرآن 9: 108.
(2) انظر: أحكام القرآن للجصاص 4: 379، الكشاف 2: 408، الجامع لأحكام القرآن 9: 108، أنوار التنزيل للبيضاوي 3: 266.
(3) تفسير البيضاوي 3: 266.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 9: 108.
(5) انظر: تفسير البيضاوي 3: 100.
(6) انظر: تفسير ابن كثير 4: 38، وقال: وهذا تفسير حسن جدًا.