الصفحة 23 من 30

فيهلكه ويذله» [1] ، ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرَّعيَّة، أو التَّاجر يظلم النَّاس في تجارته أو السارق وغيرهم. قال فضيل بن عياض: «إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجبًا» [2] .

كما تدلُّ الآية على أنَّ الرعيَّة متى كانوا ظالمين فإنَّ الله يسلِّط عليهم ظالمًا مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلَّصُوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم [3] .

وقال ابن عباس في تفسيرها: إنَّ الله إذا أراد بقوم شرًّا ولَّى عليهم شرارهم، أو خيرًا ولَّى عليهم خيارهم، وفي بعض الكتب المنزَّلة: أفنى أعدائي بأعدائي، ثمَّ أفنيهم بأوليائي [4] .

وكذا تأوَّل الآيةَ عبد الله بن الزُبير أيَّام دَعوته بمكّة، فإنَّه لمَّا بلغه أنّ عبد الملك بن مروان قَتَل عَمْرو بنَ سعيد الأَشدقَ بعد أن خرج عَمروٌ عليه، صَعِد المنبر فقال: ألَا إنَّ ابن الزَّرقاء [5] قد قَتل لَطِيم الشّيطان، ثم قرأ الآية [6] .

فالظُّلم مُؤذِنٌ بهلاك الأُمم وزوال الحضارات، وقد حدثنا الله تعالى في كتابه عن أُمم كانت وحضارات بادت، وما ذلك إلَّا لظلمهم وتكذيبهم لرسلهم، فحلَّت بهم النقمة، وزالت عنهم النِّعمة، وأصبحوا كأمس الدَّابر، ولم يبق منهم إلَّا آثارُهم ومساكنهم، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] ، فكانت عقوبة الله لهم متناسبة مع جرمهم، فأهلك قوم لوط بالحاصب التي أُمطرت عليهم مطرًا، وأهلك عادًا بالرِّيح العاتية الشديدة التي تحمل حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض فترفع الرَّجل منهم إلى عَنَان السماء، ثمَّ تنكسه على أمِّ رأسه فتشدخه فيبقى بدنًا بلا رأس، كأنَّهم أعجاز نخل منقعر، وأهلك ثمودًا وأهلَ مدين بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وأهلك قارون الذي طغى وبغى وعتا، ومشى في الأرض مرحًا، فخسف به وبداره الأرض، فهو يتجلْجَل فيها إلى يوم القيامة، وأهلك قوم نوح وفرعون وجنوده بالإغراق، وكلُّ ذلك إنَّما كان بظلمهم وبما كسبت أيديهم [7] .

وإخبارُ اللهِ تعالى عن إهلاك الأمم والقرون السالفة لِيتذكَّر الظَّالمون ويرتدعوا عمَّا هم عليه من الكفر والتكذيب، قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا

(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن 7: 85.

(2) المصدر السابق.

(3) انظر: مفاتيح الغيب 13: 159.

(4) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 4: 225.

(5) يعني: عبدَ الملك بن مروان؛ لأنّ مروان كان يلقّب بالأزرق وبالزرقاء لأنّه أزرق العينين ـ

(6) التحرير والتنوير 8: 74.

(7) انظر: تفسير ابن كثير 6: 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت