عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ اللَّهُ .... ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ» [1] .
قال المُنَاوي: «الغنيُّ الظَّلوم: أي كثير الظُّلم لغيره، بمعنى أنَّه يعاقبه، وليس المراد أنَّه لا يبغض الفقير الظَّلوم، بل المراد أنَّ كثرة الظُّلم مع الغنى أَشَدُّ قُبْحًا وأعظمُ جُرْمًا وأكثرُ عَذابًا، وعبَّر بصيغة المبالغة إشارة إلى أنَّ من وقع منه هَفْوةٌ من ظُلم لا يكون مَبْغُوضًا» [2] .
والظُّلم نوعان: ظُلم للنَّفس، وظُلم للغير، وإن كانا في الحقيقة يرجعان إلى ظُلم النَّفس، لأنَّ الإنسان في أوَّل ما يَهمُّ بالظُّلم فإنه يَظْلِم نفسَهُ، ولهذا قال تعالى في غير موضع: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117، النحل: 33] ، {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57، الأعراف: 160] [3] .
1 ـ الإشراك بالله تعالى والكُفْرُ به: وهو من أعظم أنواع الظُّلم، وفاعله من أعظم الظَّلَمَة، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟! قَالَ: «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} : بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} » [4] .
وقال عزَّ من قائل: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] أي: الجاحدون لله، المُكذِّبُون به وبرسله {هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: الواضِعُون جحودَهم في غير موضعه، والفاعلون غيرَ ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله [5] ، وقد عبَّر الله تعالى عن الكافرين بالظالمين للتَّنبيه على أنَّ مشيئة الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحدِّ، ووضع للشيء في غير موضعه [6] .
2 ـ الكذب على الله والتَّكذِيب بآياته: قال تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] ، أي: فَمَنْ مِن خَلْقِ الله أعظم فرية ممَّن كَذَبَ على الله، فادّعى أنَّ له ولدًا وصاحبة، أو أنَّه حَرَّم ما لم يحرِّمه من
(1) أخرجه أحمد في المسند 5: 153 برقم 21393، والترمذي في صفة الجنة برقم 2492 وقال: حديث صحيح، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار برقم 1597، وابن حبان في صحيحه 8: 136 برقم 3349، والحاكم في المستدرك 2: 123 برقم 2532 وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي.
(2) فيض القدير 9: 271.
(3) انظر: المفردات 2: 52.
(4) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم 3181، ومسلم في الإيمان برقم 124.
(5) تفسير الطبري 5: 384.
(6) انظر: روح المعاني 15: 267.