الصفحة 22 من 30

160 -161]، قال الجصاص: «قال قتادة: عُوقِبُوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم، وفي ذلك دليل على جواز تغليظ المحنة عليهم بالتَّحريم الشرعي، عقوبة لهم على ظلمهم، لأنَّ الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أنَّه حرَّم عليهم طيبات بظلمهم وصدِّهم عن سبيل لله، والذي حُرِّمَ عليهم ما بيَّنَه تعالى في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] » [1] .

إذا كان الفَلَاح يعني الظفرَ والنَّجاح وإدراك البُغية والمأمول [2] ، فإنَّ الظَّالمين لا فلَاح لهم في الدُّنيا ولا في الآخرة، وقد أكَّد الله هذا في مواضع من كتابه فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21 ـ 135، يوسف: 23، القصص: 37] فلا يظفرون بمطالبهم في الدُّنيا والآخرة، ولا يفوزون بالهدى في الدُّنيا وحسن العاقبة في العقبى، بل يبقون في الحُرمان والخذلان [3] .

والظَّالمون لا تزيدهم دلائلُ الهدى وهِدَاياتُ القرآن في الدُّنيا إلَّا خسارًا؛ لتكذيبهم وكفرهم به، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] ، وتزداد خسارتهم مع كلِّ آية تنزل، وذلك لِتجدُّد التَّكذيب منهم [4] .

والخَسار: مصدر خسر، مثل الخسارة، وهو: نقصان التِّجارة، واستُعِير لخيبة العمل؛ فقد شبَّه عملَهم في الكُفر بعمل التَّاجر الخاسِر، الذي بارت سلعتُه، فباع بأقل ممَّا اشتراها به فأصابه الخَسار، فكلَّما زاد بيعًا زادت خسارته، حتى تُفضي به إلى الإِفلاس [5] .

فمن حكمة الله تعالى أن يسلِّط الظالمين بعضَهم على بعض، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] ، وهذا تهديد للظَّالم إن لم يمتنع من ظلمه سلَّط الله عليه ظالمًا آخر، قال ابن زيد: «نُسلِّط ظلمةَ الجنِّ على ظلمة الإنس» ، وعنه أيضًا: «نسلِّط بعض الظلمة على بعض

(1) أحكام القرآن 3: 281.

(2) انظر: مفردات ألفاظ القرآن 2: 203، المحرر الوجيز 2: 325. قال الراغب: وهو ضربان: دنيوي وأخروي؛ فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاح أخروي، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.

(3) انظر: أنوار التنزيل للبيضاوي 4: 293، البحر المحيط لأبي حيان 4: 98.

(4) انظر: معالم التنريل للبغوي 5: 123، الكشاف للزمخشري 2: 644.

(5) انظر: التحرير والتنوير 22: 323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت