الصفحة 20 من 30

فالظالمون في ضلال ليس بعدَه ضلال، لا يخفى على عاقل ولا ناظر، ومن أعظم ضلالهم: كفرهم وعبادتهم لغير الله تعالى، قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11] ، وقال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86] .

وقد أكَّدَ الله تعالى على ضلالهم وعدم اهتدائهم للحقِّ في مواطن كثيرة من كتابه، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51، الأنعام: 144، القصص: 50، الأحقاف: 10] ، وقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258، التوبة: 19 ـ 109، الصف: 7، الجمعة: 5] .

وقد ذكر الله تعالى مقابل تثبيته للمؤمنين في الدُّنيا والآخرة إضلالَه للظَّالمين، فقال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] أي: يجعلهم في حيرة وعَمَاية في الدُّنيا وفي الآخرة، ويخلق فيهم الضَّلال عن الحقِّ الذي ثبت للمؤمنين، مجازاةً لهم على إرادتهم واختيارهم النَّاشئ عن سوء استعدادهم، والمراد بهم هنا: الكَفَرة، بدليل مقابلتهم بالذين آمنوا.

وعاقبة إضلالهم في الدُّنيا أنَّهم لا يثبتون في مواقف الفتن، وتزلُّ أقدامُهم أوَّل شيء بسبب الحيرة التي تلحقهم، إذ ليسوا متمسِّكين بحجَّة، وهم في الآخرة أضلُّ وأزلُّ وأحرج [1] .

وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [2] ، قال القاضي عِيَاض: «ظاهره أنَّه ظلمات على صاحبه حتى لا يهتدى يوم القيامة سبيلًا، حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، وقد تكون الظلمات هنا: الشدائد، وقد تكون الظُّلمات هاهنا عبارة عن الأنكال بالعقوبات عليه» [3] .

وقال الطِّيبي: «أفرد المبتدأ وجمع الخبر، دلالة على إرادة الجنس، واختلاف أنواع الظُّلم الذي هو سبب لأنواع الشدائد في القيامة، من الوقوف في العَرَصَات، والحساب، والمرور على الصراط، وأنواع العقاب في النَّار» [4] .

(1) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 5: 412، روح المعاني 13: 217، التحرير والتنوير 13: 226.

(2) أخرجه البخاري في المظالم والغصب برقم 2315، ومسلم في البر والصلة والآداب برقم 2579، وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في مسلم برقم 2578.

(3) إكمال المعلم 8: 48. قال الطيبي في شرح المشكاة 10: 3253: «والفرق بين الشدائد والأنكال: أن الشدائد كائنة في العرصات قبل دخول النار والأنكال بعد الدخول» .

(4) شرح المشكاة للطيبي 5: 1525.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت