الصفحة 17 من 30

لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات: 62 - 68] ، ثمَّ علَّل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد آبائهم في الضَّلال، وترك اتباع الدليل، والإسراع الشَّديد في اتباع آثارهم، وفيه إشعار بأنَّهم عطَّلوا عقولهم، وبادروا إلى اتِّبَاعهم من غير توقُّف ولا نظر ولا بحث [1] ، قال تعالى {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات: 69 ـ 70] .

فقد أخبر الله تعالى أنَّ دَأب الظالمين هو الاستمرار على ما أُنعِموا فيه من الشهوات، والاهتمام بتحصيل أسبابها، والإعراض عَمَّا وراء ذلك [2] ، قال تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] ، قال الزمخشري: «أراد بـ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} : تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التَّنعم والتَّترف، من حبِّ الرِّياسة والثَّروة، وطلب أسباب العيش الهنيء، ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم» [3] .

وفي تعليل عقوبتهم يوم القيامة يقول تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 45 - 46] أي: إنما استحقُّوا هذه العقوبة لأنَّهم كانوا في الدنيا مُتنعمين بالحرام، مُقبلين على لذات أنفسهم، لا يلوون على ما جاءتهم به الرُّسل، يصرُّون ويصمِّمُون على الذَّنب العظيم، ولا يتوبون منه [4] .

(1) انظر: أنوار التنزيل للبيضاوي 5: 15، البحر المديد 6: 268.

(2) انظر: تفسير البيضاوي 3: 268.

(3) الكشاف 2: 412.

(4) الجامع لأحكام القرآن 17: 213، وتفسير ابن كثير 7: 538. قال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير 27: 305: «الترف في العيش ليس جريمة في ذاته، وكم من مؤمن عاش في ترف، وليس كل كافر مُترفًا في عيشه، فلا يكون الترف سببًا مستقلًا في تسبب الجزاء الذي عُوملوا به، فتأويل هذا التعليل: إما بأن يكون الإتراف سببًا باعتبار ضميمة ما ذُكر بعده إليه، بأن كان إصرارهم على الحنث وتكذيبهم بالبعث جريمتين عظمتين لأنهما محفوفتان بكفر نعمة الترف التي خولهم الله إياها، وإما بأن يُراد أنَّ الترف في العيش عَلّق قلوبهم بالدنيا واطمأنوا بها، فكان ذلك مُمليًا على خواطرهم إنكار الحياة الآخرة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت